تشظي الذاكرة وانشطار الذات في نصوص “تجليات عطشى”  

 

المراقب العراقي/ متابعة…

إن المحاولات العشوائية للقراءة تجعلنا نعيش منعطفاً لا إرادياً أمام لحظة الاختيار, وتشدنا لمراكز الوعي وهي تذيب في مسارها كل الخطوات التي لا تحمل في مسمياتها سوى اللهاث خلف نصوص تجرنا نحو الغياب الذاكراتي لذواتنا, وتبدأ بالاشتغال على المجسات الحسية لتخلق بالتالي مساحات كافية لكلا الطرفين (القارئ/الناص) ليترك كل منهما إيحاءه الخاص؛ هذا إذا ما اتفقنا على أن القارئ هو شريك حقيقي في وصول النص مهما كان شكله لمبتغاه. كالعادة؛ أصبح من الطبيعي اشتغال العديد من التجارب على تحريك ثيمة النص نحو مناطق النزاع الذاكراتي؛ وبالتالي هي عملية تأسيس لمشروع استعادة العديد من النصوص الخام, وتحويلها لمواد قابلة للتكوين الشعري؛ وهذا بحد ذاته يخلق بعداً محاذياً لعمليتي (الاجترار/التدوير) باعتبارها خزين معرفي لا يحتاج إلاّ لعمليات صناعة نصية تضاف لها نكهة الشعر. يحاول حسين نهابة في مجموعته (تجليات عطشى) أن يكسر هذا الجليد اللامتناهي العمق في خزينه الذاكراتي, ويُذيبه بإتقان ليحوله بالتالي الى محطات مبعثرة يمر عبر نوافذها لمخيلة القارئ؛ و بالتالي فهو هنا استطاع أن يخلق نصا محاذيا لنصوصه لدى القارئ أيضا؛ فهو أي (القارئ) يحمل أيضاً خزيناً ليس بحاجة إلاّ لإشعال فتيل ذوبانه ليكون جاهزاً للتوظيف داخل بعد النص المقروء؛ وهذا يحيلنا لسؤال الدهشة؛ الذي ينبثق لا إراديا على ضفاف المخيلة؛ كيف يمكن للنص أن يكون مفتاحاً خفياً لفتح أقفال الذاكرة؟ في نص (فجر التعاويذ) يبدأ نهابة بالولوج نحو القراءة التسلسلية لذاكرة المتلقي, وتحفيزها للاستمرار بالدفق نحو مناطق لم يمسسها العقل هرباً أو نسياناً  .

إنه يزداد إصراراً على زج القارئ نحو مناطقه التي كانت مُزهرة يوما ما؛ و يحيله لكائن الرغبة الذي يُغذيه ببطء كي تنمو معه خطوات المسير؛ (الانكسار – الوجع – كأس الأمنيات – الانتظار – المسافات – الشوق – الأغنيات). إنه يتعمد وضع إصبعه على الجرح كي يجعله نازفا؛ بعد أن كان ساكنا و بعيدا عن ثورة الألم؛ يكثف دلالات مفرداته داخل بنية النص؛ كي يصنع مؤشراً نستدل به على المواويل التي سكن صوتها منذ زمن مضى

التشكيل الصوري الذي يضعنا في مأزقه الشاعر؛ يدعونا لسؤال (الدهشة)؛ هل هو قادر على شطر الذات الإنسانية وجعلها مُتشظية؟ بمعنى أدق؛ هل هو قادر على صناعة نسخ مغايرة على هامش النص؟ إنها لعبة اللغة؛ هي الوحيدة القادرة على ردع طاقة الواقع, وجعلها متجذرة في تحقيق صيرورة الحدث لدى القارئ؛ إنها تجعله مكثفاً أمام نافذة القراءة؛ علّه يطل على ما تشظى من مرآة أيامه عبر القراءة, و ينسج من جديد صورة أوضح.

في نصوص (طريد – كسيح – عابر سبيل – استعباد – أعينيني – رائحة البرتقال) يبدأ نهابة بتشكيل لوحته الخاصة التي يتخم بها كبد المجموعة ؛ وهو يعي جيداً لماذا تركها في هذا المكان منها؛ إنه يجيد محاورة عقل القارئ؛ يثير داخله فوضى من المشاعر, ويشتغل على مجساته العاطفية؛ ليلملمه بعد حين كتلة واحدة, ويأخذ به نحو نافذة العقل, ليشير له نحو طريق ذكرياته التي أسدل ستائر النسيان عليها.

لقد ترك حسين نهابة في النصوص الأخيرة من مجموعته (تجليات عطشى) الأبواب مُشرعة أمام القارئ. ليته يكمل مشواره الخاص به لتوظيف ما قرأه داخل بنيته الحياتية, و يخرج من الفوضى العارمة التي تجتاحه لتحيله جثة تمثل دور الحياة. ففي نصوص (انطفاء الأرق – عطر الانتماء – راعي الحقل – احبيني – ضفيرة – علك تعودين) تنساب تجليات اللغة بشكل دراماتيكي؛ يسمح لها بتهيئة قداس القراءة ليكون معطاء بكل تفاصيله وخباياه.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.