“الناتو” يتملّص من المادة الخامسة.. هل تكفي المادة الرابعة أردوغان؟

 

بقلم/ د.علي مطر

 

وجد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان نفسه في مأزق أمام سرعة تقدم الجيش العربي السوري في شمال سوريا. القوة النارية الكبيرة التي استخدمت وأدت إلى تحرير مناطق شاسعة كانت تحت سيطرة أردوغان وحلفائه في جبهة “النصرة”، جعلته يتفاجأ بسير الأحداث ويفقد السيطرة على تلك المناطق، وأشعرته بالعجز عن صد تقدم الجيش السوري والحلفاء مدعوماً بغطاء جوي روسي كبير، ما جعله يسارع إلى طلب العون والنجدة والدعم أكثر من مرة من حلف شمال الأطلسي (الناتو)، لإيقاف هذه الحملة العسكرية الواسعة، التي تأتي في سياق حق الجيش السوري باستعادة سيادته على أراضيه.

طلبت تركيا من حلف “الناتو” دعمها عسكريًا، لكن الحلف لم يتخذ موقفًا واضحًا، واكتفى بالتصريح الإعلامي والشفهي في أكثر من مناسبة، دون تقديم أي دعم عسكري، ما دفع المسؤولين الأتراك إلى تكرار الطلب مرارًا، والدعوة الى تفعيل المادة الخامسة من اتفاقية “الناتو”، فما هي هذه المادة؟

الناتو والمادة الخامسة:تنص المادة الخامسة من اتفاقية حلف شمال الأطلسي ـ الناتو على أن الهجوم على إحدى دول الحلف سوف يُعامل على أساس أنه هجوم على بقية الأعضاء جميعًا، وأن الحلفاء ملزمون بالرد عليه، وأن استخدام القوة العسكرية يعد أحد الخيارات في هذه الحالة، ومن جانب آخر، تنص المادة الخامسة على أن من واجب أي دولة من دول الحلف أن تساعد الطرف أو الأطراف التي تتعرض لمثل هذا الهجوم على الفور، وأن تتخذ من الإجراءات ما تراه لازمًا في هذا الوضع.

اتفقت الأطراف على أن أي هجوم مسلح على أي دولة عضو أو أكثر من أعضاء الحلف في أوروبا أو أمريكا الشمالية يُعتبَر هجوماً على سائر الدول الأعضاء. وتبعاً لذلك، فإن هذه الدول توافق على أنه في حالة وقوع مثل هذا الهجوم، فإن كل واحدة منها، في ممارستها لحقها الفردي أو الجماعي في الدفاع عن النفس، سوف تساعد الطرف أو الأطراف التي تعرضت لمثل هذا الهجوم. وتكون المساعدة بأن تبادر على الفور، سواء بصفة فردية أو بالتنسيق مع الأطراف الأخرى، إلى اتخاذ الإجراءات التي تراها ضرورية، بما في ذلك استخدام القوة المسلحة، بهدف استعادة أمن منطقة شمالي الأطلسي والحفاظ عليه. ويجب إبلاغ مجلس الأمن الدولي على الفور بأي هجوم مسلح من هذا النوع وبجميع الإجراءات التي يتم اتخاذها نتيجة لذلك، لكن الأعمال التي قام بها الحلف مخالفة للشرعية الدولية، لأنه وإن استند إلى المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة، إلا أنه لم يعمل وفق قرارات مجلس الأمن بادئ ذي بدء إنما استخدم القوة ومن ثم عاد لتشريع عمله.

ويعتبر الحلف أن البند الخامس من الاتفاقية التي انبثق نتيجتها يشكّل جوهره، وهذا ما أعلنه الأمين العام لحلف شمال الأطلسي “الناتو”، “ينس ستولتنبرغ”، معتبراً أن إدراك الأعداء المحتملين أن الاعتداء على عضو في الحلف، بمثابة اعتداء على كافة أعضائه، يحول دون وقوع ذلك، مع أن الرئيس الفرنسي ماكرون كان قد وصف الـ”الناتو”، بأنه “في حالة موت سريري” في تصريحات أدلى بها في مقابلة مع مجلة “ذي إيكونوميست” الأسبوعية البريطانية. ورغم أن هذه الفقرة قد أُدخلت نتيجة تصور الموقّعين على معاهدة واشنطن لتصبح آلية تساعد الولايات المتحدة على تقديم المساعدة لحلفائها الأوروبيين عند الحاجة، فإن الأوروبيين هم الذين قدموا الدعم لواشنطن عند تعرضها لهذه “الهجمات” في أفغانستان والعراق.

هل فعّل الحلف المادة الخامسة؟

لم يقم الحلف بأي عمليات عسكرية خلال الحرب الباردة، حيث انتصر في الحرب مع الاتحاد السوفياتي وسقط جدار برلين دون تفعيل المادة الخامسة. وعقب انتهاء هذه الحرب، كانت العمليات الاولى، خلال الرد على الغزو العراقي للكويت من خلال تشكيل تحالف دولي بقيادة أميركية. كما تدخل الحلف في حرب البوسنة والهرسك التي اندلعت في العام 1992 نتيجة لتفكك يوغوسلافيا. كما تدخل الحلف بشكل غير شرعي في كوسوفو، حيث قام بحملة قصف استمرت 78 يوما بدءاً من 24 آذار/مارس 1999.

تدخل الحلف في الحرب على أفغانستان عقب أحداث 11 ايلول/ سبتمبر 2001، حيث تم تفعيل المادة الخامسة بطلب أميركي بدون الرجوع إلى مجلس الأمن الدولي، بشكل يخالف الشرعية الدولية، وكانت هي المرة الأولى التي تفعل فيها المادة الخامسة، حيث تحرك الحلف في المرات السابقة من تلقاء نفسه، وشاركت دول الحلف بغزو العراق 2003 بشكل منفرد في إطار “التحالف الدولي” الذي شكلته الولايات المتحدة الأميركية دون القول إن المشاركة كانت تفعيلاً للمادة الخامسة علما أن الغزو كان مخالفاً تماماً للشرعية الدولية. ومن ثم في أب/أغسطس 2004، خلال حرب العراق، شكلت منظمة حلف شمال الأطلسي بعثة التدريب التابعة لـ”الناتو” في العراق، وهي بعثة تدريب لمساعدة قوات الأمن العراقية بالتعاون مع القوات المتعددة الجنسيات التي تقودها الولايات المتحدة.

بالإضافة إلى ما تقدم، وعقب الأحداث في ليبيا وتصاعد العنف بين المتظاهرين والحكومة الليبية بقيادة معمر القذافي، وفي 17 آذار/ مارس 2011 صدر قرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة المرقم 1973، الذي دعا إلى وقف إطلاق النار، وأذن بالقيام بتحرك عسكري لحماية المدنيين. وقد بدأ تحالف يضم عدداً من أعضاء “الناتو” في فرض منطقة حظر طيران على ليبيا. وفي 20 آذار/ مارس 2011، اتفقت دول منظمة حلف شمال الأطلسي على فرض حظر على توريد الاسلحة إلى ليبيا.

واليوم فشلت تركيا بالحصول على دعم الحلف وفق تفعيل المادة الخامسة، وجل ما حصلت عليه هو تفعيل المادة الرابعة التي تنص على حق اي دولة بالدعوة إلى الاجتماع الطارئ نتيجة أي تهديد يطالها، ولكن لم يستطع أردوغان أن يأخذ غطاء الحلف، للوقوف بوجه تقدم الجيش السوري والدعم الروسي له، وبالتالي فإن أردوغان يعيش مأزقاً كبيراً بعدم قدرته على المناورة العسكرية والسياسية التي قد تسبب له مواجهة مباشرة مع روسيا في حال تحدي نفوذها في سوريا.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.