“فرس العائلة ” التاريخ الروحي لعشيرة بدوية فلسطينية

المراقب العراقي/ متابعة…

“فرس العائلة” رواية طلائعية تروي قصة المرأة البدوية وحياةَ البداوة في بلادنا، ويقال “طلائعية” لأن المرأة البدوية مغمورة الحقوق وما أخذت قسطها الذي تستحقه من أدبنا المحلي. والبداوة شريحة مهمة من مركبات مجتمعنا، واسعة جدا- أو على الأقل كانت كذلك في الماضي غير البعيد- بقيت مهملة في أدبنا المحلي، إلى أن جاء محمود شقير وعالج الموضوع بكل أمانة ومصداقيةَ في روايته الجديدة “فرس العائلة

رواية “فرس العائلة” مكتوبة بلغة تطغى عليها المفردات البسيطة، والجمل غير المعقدة فلا تَقَعُّرَ في كلماتها ولا محسناتٌ لغوية منفّرة في جملها القصيرة. لغة مقتصدة، تختزل الشرط اللغوي إلى أقصى حد ممكن. تذهب، فيما ترمي إليه إلى اللغة الدالة دون محسنات لفظية أو استفاضات زائدة. ( شيء يذكرنا بالسهل الممتنع).

لغة تنساب بسلاسة مع واقع أهلها وبساطة عيشهم. واقع “لا يصطدم بهموم الحياة… وفتياته يقتلهن العشق، في حين الحاضرات يقمن منه بعافية“.

والرواية “فرس العائلة” كتابة سلسلة ذكية في بساطتها لكنها قابضة على شروط الرواية وتقنيتها. وتبقى مشاعرها منضبطة غاية الانضباط.

لا يجوز أن نصنّف الرواية كوثيقة تاريخية، علما بأن الرواية ليست التاريخ وليست الوثيقة ولا يجوز في الأدب الروائي مقاربة التاريخ بالرواية، فالإشكالية بينهما قديمة. حيث الأول حقل علمي يستند إلى وثائق ومستندات تدعم وتشرح حوادث واقعية بأدوات وتقنيات بحثية علمية. في حين أن الثاني فنٌ جميل أدواته الخيال يستلهم مادته بشكل انتقائي، كما تقتضيه التقنية الروائية، من واقع تحقّقَ أو يُرغَب في تحقيقه. ويبقى التاريخ مادة خاما للرواية تبني منه بيتها الروائي. وعليه فلا يجوز للرواية التعامل مع شخصية تاريخية كأنها وثيقة أو مستند. لا بد أن تكون الرواية مفارقة، ولو بعض الشيء، لتاريخها وشخوصها.بل إن الالتزام المفرط بالأمانة التاريخية قد لا يتيح للرواية تحقيق الروائية. تعتبر الرواية وثيقة اجتماعية تؤرخ لفضاء إنساني عايشه الشعب الفلسطيني (وخاصة شريحةً منه – البدو) وتشهد على تحولات الزمن الذي تصرف بنا وتصرفنا معه.وهذا ما حققه محمود شقير بكل أمانة وصدق.

وهي مليئة بالقصص الفرعية المكمّلة، بعضها اغترفه الكاتب من تراثنا الشعبي والبعض ألآخر كان له دور المبدع الخلاق. كل حكاية تفضي إلى ما بعدها في سياق متصل يتنامى حتى النهاية. وللرواية حظ وافر من النوادر المشوقة والشخوص غير الرسمية. ويكاد يستحيل تحديد البطل الفردي، فكانت رواية جماعية. كل شخوصها متجانسة، بسيطة وغير مركبة بلا تعقيد، تروي حياة المجتمع البدوي وما به من بداهة وبساطة وحكمة طبيعية، شذّبها شظف العيش وامتحنتها السنون العجاف فراكمت خبرة اللاحقين فوق خبرة السلف. أو لنقل سطوة البَرَّية وحكمتها. فـ”للبرية أعرافها التي ابتدعها أناس بسطاء“.

محمود شقير فنان قدير، بضربة قلمه يُلوّن اللوحة بالأحداث ويسكب فيها الصوت ويمنحها الحركة.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.