“سيرة جديدة للعدم” صرخة قلق وحزن عراقية في وجه العالم

المراقب العراقي/ القسم الثقافي…
يرى الناقد والشاعر أوس حسن ان ديوان “سيرة جديدة للعدم” للشاعرة أمل البابلي صرخة عراقية في وجه العالم تعطي دفقا من الحياة والحركة لمفهوم العدم وجموده، وتسعى إليه بإحدى الوسائل المتاحة، كما يسعى البشر العاديون إلى وسائل السعادة ومباهجها وهي تتراوح بين اليومي المعاش، والغيبي الأسطوري.
وقال حسن في تصريح لـ(المراقب العراقي): ان مجموعة “وسيلة أخرى للعدم”، صرخة قلق وحزن عراقية في وجه العالم ومن الممكن أن تثبت لنا أن الشعر ليس بالضرورة أن يتشكل ضمن هندسة قصيدة النثر وحدها، ونظريات الحداثة في بناء النص وشروط سوزان برنار، فالبئر اللغوية التي نهلت منها البابلي انفتحت على جنس هجين من الأدب، استطاع أن يكشف لنا عالما من العذاب والعزلة والألم، مع أسئلة وجودية حادة وبريئة في الوقت ذاته، تتفق مع عبثية الحياة وتناقضاتها، فنجحت في رسم دستوبيا للعالم الجميل، وبشّرت بنبوءة جديدة للعدم.
واضاف : من خلال العنوان الذي حمل انزياحا عن المألوف، نستدل على أن الشاعرة تعطي دفقا من الحياة والحركة لمفهوم العدم وجموده، وتسعى إليه بإحدى الوسائل المتاحة، كما يسعى البشر العاديون إلى وسائل السعادة ومباهجها. جاءت المجموعة بـ105 صفحات من القطع المتوسط، مع غلاف أنيق يعبر عن متن الكتاب وقد تضمنت مجموعة من القصائد المنوعة بين اليومي المعاش، والغيبي الإسطوري، وجاءت بعض النصوص بمثابة صرخة غضب أو تمرد مكبوت في نفس الشاعرة، وكأنها تعمدت أن تضع القارئ بين سكاكين المتاهة.
وتابع: في نصوص أمل البابلي لا يمكننا أن نخرج بفكرة أو بوعي مستفز، يلقي بنا إلى الضفة الأخرى، بل نبقى مستمتعين بالمتاهة ورحلة العذاب الطويلة داخل النصوص، وما تمنحنا إياه من تدفق لغوي واستعارات، أضف إلى ذلك قدرة الشاعرة على البناء السردي والحكائي ، وما يرافقه من حركية المشهد والحدث، لكن من دون الوصول إلى نقطة محددة. لم تستند الشاعرة إلى أسس معرفية، أو دلالات ذات مضمون فلسفي، أو فكري، بل أطلقت العنان لمخيلتها الفطرية، وألغت العقل ودوره في تنظيم اللغة وصقلها شعريا، كما يراها البعض من تكثيف وإيجاز، إلخ.
واشار الى ان :هذا التدفق اللغوي الهائل وما رافقه من استعارات غريبة، أعطى للشاعرة حدسا جميلا في تصوير الأشياء والأحاسيس بصدق وعفوية رمزية. لم تهتم البابلي كثيرا بعنصري المفارقة والدهشة، لكنها وردت مذهلة في بعض النصوص، فهي استعملت الجملة الطويلة كثيرا في نصوصها، لكن النصوص ذات الجمل القصيرة والمكثفة، أحسب أنها كانت أكثر تأثيرا في ذهن المتلقي ووعيه.
ولفت الى ان :الكتابة الشعرية تبقى حاضرة في لذتها وتوهجها، عندما تخترق الحواجز اللامرئية، وتصل الإنسان برابط خفي بينه وبين جوهر الأشياء من حوله، كما أنها تستمد قوتها وحضورها المتجدد من ذلك الغموض الشفيف، الذي ينساب ساحراً في أعماق النفس البشرية. وما يرافق الشعر من دهشة، وبناء عوالم أخرى موازية على أنقاض العالم المتهاوي. هناك تساؤلات أيضا تبقى مطروحة في الشعر عن ماهية الإنسان والوجود، وعن إدراكه المنعكس تجاه العالم.
وبين أن :الشاعرة اعتمدت على عناصر متجانسة ومتناقضة في علاقتها مع الأشياء والموجودات، فهي لم تعد تحتاج الأجنحة أو الريح لتحلق أو تصعد للسماء، ففي معطفها الأسود يتوقف الليل عن الدوران، ويبقى العالم نائما تحت هذه الظلمة الأبدية، وكأن الليل صار محطة عذاب كبير للشاعرة، فصارت تحلم بالتحرر والخلاص الأبدي.
واستطرد :يرى أصحاب المدرسة الرمزية في الشعر، أن اللغة وعاء للرموز لفهم العالم الخارجي باطنيا عن طريق الحدس، أو الإيحاء في إثارة الصور الذهنية عند الإنسان. ويرى السيريالون أن مصدر الفن والتعبير الإبداعي يكمن في أعماق اللاوعي، أو اللاشعور مستندين بذلك إلى نظرية فرويد في اللاشعور، لذا ركزت المدرسة السيريالية على الكلمات واللغة، وما يرافقها من هذيانات ورموز حلمية، وضربت عرض الحائط الفكرة أو المضمون، واستندت إلى الخيال العميق ذي الطابع الأسطوري، مع التمرد على كافة القوانين العقلية والمثل السائدة.
وختم :يدفعنا القلق المتكرر في النصوص، إلى فكرة ما وراء الموت والبصمة التي يمكن أن يتركها الإنسان للأجيال القادمة، فصار الوعي بالزمن والمستقبل يرافق الشاعرة كثيرا، لترى حياتها مجرد ورقة بيضاء يكتب فوقها عمرها القصير،كما في كثير من النصوص تستسلم أمل البابلي للوحي اللغوي، الذي يهبط على مخيلتها وأفكارها على هيئة صور مبعثرة، فهي لا تهتم بالمعنى والمضمون، بل تلقي هذه الحمولة الجاثمة على عقلها، لتجعلك مستلذا بالحيرة والبحث عن معنى وهنا يكمن الشعر، أو بالأحرى توحش الشعر وهو يفترس كل شيء من حوله، فمن خلال جملة هادئة وبسيطة تصف لنا الشاعرة مشهدا في منتصف الليل في مطبخ المنزل لتفاجئنا بطعن السواد، وأي سواد، إنه سواد الألم والوحدة، فالشاعرة جعلت من السواد كائنا متحركا بروح شريرة، وأعطت لونا للكلمات والأحاسيس المنثالة من خباياها.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.