“صور صلعاء ” عندما يعود الجندي من الحرب بعكاز او محمولا بتابوت

المراقب العراقي/ القسم الثقافي…
يرى الناقد عبد علي حسن ان قصيدة صور صلعاء للشاعر زهير بهنام بردى من ديوان عشر قطرات من دمع الشمس تجسد القهر السلطوي للشعب وتصور عندما يعود الجندي من الحرب بعكاز او محمولا بتابوت ،مبينا ان الشاعر وجد في التركيب اللغوي لقصيدة النثر طاقة استثنائية في امتدادها الى اقصى المتخيل لتحقيق التوازن بين التوتر الذي تحدثه الحروب.
وقال حسن في تصريح ل(المراقب العراقي): ان البشرية لم تشهد تحديا لوجودها أكثر من الحرب التي كانت وستكون الشاهد الناصع على عدم قدرة الإنسان في الإتلاف والإنسجام مع الآخر ، ولئن كانت خديعة نشوء الدولة في تلطيف النزاع بين الناس ودرء خطر التناحر ، فإن هذه الدولة قد مارست فيما بعد ولاتزال دور إشعال الحروب لبسط سلطتها وهيمنتها على مقادير الشعوب والأمم ، حتى وصل الأمر بالناس الى ضرورة البحث عن كوكب آخر خال من كل اسباب العداء والتناحر.
وتابع: وإذا مااستعرضنا خارطة الجسد العراقي في العصر الحديث ،فإننا سنقف مندهشين لمآثر الحروب على مستوى انتهاك الوجود الإنساني ، وإزاء هكذا تهديد وانتهاك فإن النص الأدبي العراقي ما انفك محايثا لكل تفاصيل تلك الحروب متأثرا بالتوتر العاطفي والاجتماعي والسياسي الذي طال البنى الاجتماعية والسياسية ، ومخلصا وبدرجات متفاوتة في احداث ذات التوتر عبر مفارقات تضع المتلقي الذي كان ضحية تلك الحروب أمام الصور القميئة والشاذة والهمجية التي وسمت تفاصيل حياته اليومية والمستقبلية ، كما في نص (صور صلعاء) للشاعر زهير بهنام بردى الذي وجد في التركيب اللغوي لقصيدة النثر طاقة استثنائية في امتدادها الى أقصى المتخيل لتحقيق التوازن بين التوتر الخارجي/ المرجعي الذي تحدثه الحروب والتوتر النصي اذا جاز التعبير ، لإقناع المتلقي وجعله مندهشا أمام الوجه الآخر للحرب / الجواني الذي لم يألفه او يستهلكه المتلقي وهو يتعرض الى الانتهاكات الوجودية التي تبعده عن المنظومات القيمية للإنسانية ، سواء على المستوى الديني / الميثولوجي او ماتنجزه البشرية من فكر وايديولوجيات تتقاطع ومنظومة الانتهاك والقهر والظلم الذي تنتجها الحروب .
واضاف: ان النص يقدم صورا اربع للحرب تشترك في خاصية واحدة كونها (صلعاء) لاتمت الى الجمال بصلة مكرسا حقيقتها القبيحة ، ففي الصورة الأولى هي سوداء قاتمة وغامضة بكل مايحمل السواد من قبح فضحه بياض الوردة التي كانت الذات الشاعرة ليشكل منها موقفا ذاتيا اوليا لينتقل الى الكشف عن الصور الأخرى تباعا لتستمد من سواد الحرب امتدادها على جسد الحياة ومكوناتها البشرية والبيئية ، ففي الصورة الثانية يتبدى مشهد ميثولوجي لماقبل الحرب يتشكل عبر استثماره للموروث الشعبي الديني المتمثل بقطعة سبع عيون التي توضع عادة فوق الباب لدرء الحسد ، على ان هذا المشهد يرسمه النص في حضرة الأب الذي عادة مايكون أول من يعاني من الفقد عند اشتداد الحروب ، على أن الصورة الثالثة تتكشف فيها الخسائر المتتالية لمابعد الحرب ، حيث يعود الأبناء بوجوه متجهمة وهم فاقدي اجزاء من اجسادهم ، وغالبا مايعودون الى منازلهم بعكاز وبخسارات اخرى تتبدى بعد حين او على محمولين في توابيت . واستطرد :في الصورة الرابعة يتشكل مشهد غاية في المأساوية والفقدان ، اذ يكشف فيها النص عن فداحة الحرب التي ستوصل الذات الشاعرة الى حفرة قبر تشهد غواية للدود وبقية من عواء احتجاجي ومأساوي للمآل الذي وصل اليه حيث يسود السواد وقد غطى كامل اللوحة مزيحا فسحة البياض .
وختم :لقد تمكن نص ( صور صلعاء) من تخليق بنية التوتر الذي احدثه التوتر الخارجي / الحرب ، عبر تفعيل الوظيفة الشعرية للرسالة النصية التي أفادت من طاقة اللغة وامتدادها كخصيصة من خصائص لغة قصيدة النثر المعاصرة تذكرنا كثيرا بلغة وصور لوتريامون في زحزحة استهلاكية اللغة النثرية وتحقيق اقصى مايمكن من شعرية تصل الى حد العجائبية، لتحلق في فضاء شعري خالص يجعل المتلقي متوترا ومندهشا امام المضمر في جوانية الحروب .
النص
في الصورةِ حربٌ,
أعترفُ أنّي كنتُ في سوادها وردةً بيضاء,
في صورةِ أخرى فوق سريرِ أبي قبل الحربِ.
ابتسامة معقوفة تغمزُ لسبعِ عيونٍ زرقاء, تستخدمها جنّيةٌ كإيقونةِ فوق صلعةِ الباب.
وفي صورةٍ لم تزلُ بوزتيف, تكسّرَ صلصالٍ مثقوبٍ يتعجّبُ بلهفةٍ
وأنا أصلُ الى البيتِ
بعد الحربِ بعكّاز,
وكمن يعثرُ على أيّام لا تضحكُ كثيراً في قوسِ الضوء.
عثرتُ على أخطاءٍ أخرى تخرجُ من يدي
وفي صورة مجنونة تمزق جسدي .بعد تنشيفي من فوق حبلِ رماد وإغواء دودَ مقبرةٍ. يعبثُ في ما تبّقى من عواءٍ. يصعدُ من سوادِ الضوءِ الى مجلسِ تجاعيدي البيضاء

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.