Warning: count(): Parameter must be an array or an object that implements Countable in /home/almuraqebaliraqi/public_html/wp-includes/post-template.php on line 284

الدّاخل المحتل يحيي “يوم الأرض”.. أكثر تمسكاً بالهوية التاريخية

 

بقلم/ لميس عزام

 

ما بين القرن الماضي والحالي تبقى ذكرى يوم الأرض (30 آذار/مارس) راسخةً في ذاكرة كل فلسطينيّ وعربي باختلاف مكان تواجده. إلاّ أن خصوصية هذا اليوم مرتبطة أساساً بالداخل المحتل عام 1948 الذي كانت مصادرة 21,000 دونم من أراضيه الفلسطينية ذات الملكيّة الخاصة، الفتيل الذي أشعل هذه الأحداث، ليؤدي لانتفاضة شعبية شاملة وغاضبة عام 1976، أدّت لاستشهاد ستّة فلسطينيين وتَبِعها إضراب عام يليق بخطورة الحدث. ولتصبح ذكرى جَمْعِيّة يحييها الشعب الفلسطيني في الداخل المحتل والضفة وغزة.

غالباً ما يُصوَّر فلسطينيو الداخل المحتل، جَهلاً أو دعايةً، كموالين للمؤسسة الإسرائيلية، لكن بالرغم من دأب الاحتلال على فرض مشاريع التَهْويد والأَسْرَلة عليهم، وغيرها من الممارسات القمعية التي تهدف لكَمّ أفواههم وتغييب وَعْيهم الوطني ومحو الذاكرة الفلسطينية التي تُعتبر دليل وجودهم التاريخي على أرض فلسطين، نجدهم يصرّون على إحياء هذا اليوم؛ نساء وأطفالاً ورجالاً وشيوخ عاماً تلو الآخر، إيماناً منهم بأحقّيتهم بأرضهم.

أشكال المقاومة والمواجهة في الدّاخل اختلفت مع تغوّل الاحتلال أكثر فأكثر. ففي سبعينيات القرن الماضي خرج الفلسطينيون بشيبهم وشبابهم من الجليل إلى النّقب في مواجهات مباشرة بشوارع المدن والقرى العربية الفلسطينية مع القوات الإسرائيلية، التي استدعت تدخّل قواتها الخاصّة والطيران الحربيّ والدبّابات في الكثير من الأحيان، فيما حرص فلسطينيو الداخل المحتل بعدها على استمرارية إحياء الذكرى سنوياً.

تعامُل الاحتلال مع هذا الحدث اتخذ أوجُهاً مختلفة هو الآخر، حيث سعى عبر السنين لمحاولة احتواء الفلسطينيين في الداخل المحتل، توظيفاً للفكر الصهيوني المبني على عقيدة أن “الكبار يموتون والصغار يَنسون”، ولإدراكهم لحساسية دور فلسطينيي العام 1948 والتخوّف المستمر فيما إذا قامت جدّياً مقاومة للاحتلال بالسلاح من الداخل.

لذا، نجد الاحتلال يُغري ممثليات الشعب في السلطات المحلية بالمدن والقرى العربية الفلسطينية مثلاً، بأموال للدفع بمشاريع “ثقافية” تهدف لتمييع أفكارهم وإبعادهم عن قضيتهم المركزية وأصولهم التاريخية، كترسيخ تسمية “عرب إسرائيل” التي توحي زوراً بأن هناك وطناً إسرائيلياً جامعاً لكل الفئات، واعتبارهم “أقليّة” بين “أكثرية”، لتغييب واقع أنهم أصحاب الأرض الأصليين. بالإضافة لمحاولة خرطهم في سوق العمل الإسرائيلية وتقليدهم مناصب إدارية توهمهم بالمواطنة الكاملة.

محاولات الاحتواء هذه لا تلغي عنصرية السلطات الإسرائيلية في التعامل مع “فلسطينيي الـ 1948″، فتكثُر حملات الاعتقال وبثّ الرعب والتهديد بعد كل مشاركة في التظاهرات الوطنية للفلسطينيين ومنها ذكرى يوم الأرض. إذ أنه برغم طابعها السلمي، إلا إن قوات الاحتلال دائما ما تتربّص للمتظاهرين، حيث يقوم أفراد شرطة الاحتلال الإسرائيلية بتسجيل مقاطع الفيديو والتقاط صور للمشاركين والتركيز على وجوههم، وذلك للتعرف عليهم فيما بعد واستدعائهم للتحقيق.

في كلتا الحالتين فإن الاحتلال بطبيعة الحال يمارس دوره الاستعماري، ضارباً بعرض الحائط “الديمقراطية” التي يروّج لها في تعامله مع “مواطني الدولة” وفق مزاعمه؛ مستمرّاً في تنفيذ مخططاته التي كان “قانون كمنيتس” من ضمنها، والمُراد به تشريع هدم البيوت في البلدات العربية الفلسطينية في الداخل المحتل، وتقليص صلاحيات المحاكم في البتّ بملفات البناء “غير المُرخّص” وتحويلها إلى جهات قُطرية.

أمّا “صفقة القرن” فكانت من آخر هذه المشاريع التي تهدف لاقتلاع الوجود الفلسطيني في الأراضي المحتلة. ولا يمكن فصل “صفقة القرن” ببنودها عن أحداث يوم الأرض، فهي استمرارية للمشاريع الصهيونية التي تهدف لفرض السيطرة الإسرائيلية الكاملة على ما تبقّى من الأرض. والجدير ذكره، أن ضمن “خطة ترامب” التي تسعى لضم أجزاء من الضفة الغربية بما في ذلك المستوطنات والأغوار وشمال البحر الميت إلى “السيادة الإسرائيلية”، تنص وثيقة “صفقة القرن” في صفحة رقم 13 على ضم منطقة قرى ومدن المثلث في الدّاخل إلى نفوذ السلطة الفلسطينية.

وردّاً على المقترح الأميركي الإسرائيلي، أجمع الفلسطينيون في الداخل من أحزاب وقوى وطنية وشعبية على رفضهم لـ “صفقة القرن” بجميع بنودها ومن ضمنها مقترح ضم المثلث حتى لو كان ضمّه “يأتي لصالح السلطة الفلسطينية”. وأقيمت مظاهرة قطرية لها دلالاتها المهمّة والتي حشدت فلسطينيي الـ 1948 للتصدي للخطة، معتبرين أن “الضم ضمن صفقة القرن” مراوغة إسرائيلية، ومؤكدين بأن الأرض الفلسطينية مِلكٌ لأصحابها قبل “صفقة القرن” وبعدها وتحت أي عنوان، ولا تقبل المساومة، وليست ورقة يلوّح بها الإسرائيلي والأميركي وقتما وجد نفسه في أزمة سياسية.

من هنا تأتي أهمية إحياء يوم الأرض خاصةً في الداخل، للتأكيد على محاربة محاولات الاحتلال التهويدية والسيطرة على المزيد من الأراضي والعقول. قد تبدو المناسبة بسيطة شكليّاً، وتقتصر على رفع الأعلام الفلسطينية والوقوف على نشيد “موطني” وزيارة أضرحة الشهداء، إلا أنّ دلالاتها أعمق ممّا تبدو عليه وتختلف في الداخل عنها في الضفة أو غزة. فرفع العلم الفلسطيني لوحده يمثّل تحدّياً للمحتل الإسرائيلي، الذي هدَف طويلاً لغرس فكرة “المواطنة والولاء للدولة ورموزها”. وحين يقول “المواطن” الفلسطيني في الداخل “لا” لهذه السياسات، فهو يشدّد على أنه صاحب حق وقضية؛ والاستغناء عنها يعني تصفية قضيته وحرمانه من حقّه بوجوده على أرضه.

تصادف ذكرى يوم الأرض الرابعة والأربعين ظروفاً استثنائية هذا العام، وتأتي في ظل جائحة الكورونا التي يعيشها العالم، ومع ذلك فقد أجمعت القوى السياسية متمثلة “بلجنة المتابعة العليا” على تنظيم مظاهرة رقمية يجري فيها رفع الأعلام الفلسطينية على أسطح المنازل بالإضافة لبث برامج توعية وتثقيف حول يوم الأرض وحول صفقة القرن وغيرها من النشاطات. هناك إصرار على إحياء يوم الأرض في الداخل الفلسطيني ولو عبر استخدام وسائل التواصل، لِما يحمل من رمزية تؤكّد بأن الفلسطينيون في فلسطين التاريخية لا يقلّون “وطنية” عن غيرهم، وهم جزء من شعب عربي فلسطيني أصيل يقاوم في أرضه وباقٍ فيها رغم كل الظروف الصعبة التي تفرضها عليه حكومة الاحتلال.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.