كورونا يُباعد الحلفاء ويقرّب الخصوم

بقلم/ محمد زيني

منذ أن أخذ فيروس كورونا المستجد ينتشر في جميع دول العالم، وجعل أوروبا مركزاً لتفشي الوباء، بعدما أصاب الآلاف من الأوروبين في عدة دول، أبرزها إيطاليا وإسبانيا وفرنسا، حتى باتت أوروبا بصورة لم نتوقعها من قبل.
عندما تأسس الاتحاد الأوروبي في العام 1965، بدا كوحدة واحدة اقتصادياً وسياسياً وأمنياً، وكسوق واحدة. وفي ما بعد، أصبحت دوله ترتبط بعملة واحدة (اليورو)، وكان الكثيرون يتوقعون أن الترابط بينها وثيق إلى حد المصير المشترك في الحرب والمصاعب.
لكن هذه الصورة اهتزّت بعد أن فتك كورونا بإيطاليا، وشاهدنا عكس المتوقع منذ عقود، إذ أُغلقت الحدود بصورة تامة. ربما من الطبيعي أن تغلق كلّ دولة حدودها حفاظاً على سلامة مواطنيها، لكن في الحالة الأوروبية، حدث إغلاق وتباعد بين البلدان، إذ رفضت بعض الدول تقديم المساعدات المطلوبة إلى شقيقاتها في المسار والمصير، كما حصل مع إيطاليا وصربيا، التي انتقد رئيسها الاتحاد الأوروبي لعدم تقديم المساعدة لها في مواجهة كورونا، بينما وقفت الصين إلى جانبها، فقال: مرحباً بالمساعدات الصينية.
فشلت 3 قمم أوروبية عاجلة لمواجهة الوباء في إيجاد صيغة مشتركة بين أبرز دول الشمال، مثل هولندا التي ترى أن مواجهة الوباء يجب أن تتم في هذه المرحلة بالاعتماد على الموارد الوطنية لكل دولة، بينما ترى دول الجنوب، متمثلة بإيطاليا وإسبانيا واليونان، وتقف معها فرنسا بقوة، أن المسؤولية يجب أن تتخطى الدول منفردة، لأن الوباء بات خارج السيطرة، وتبرز الحاجة الآن أكثر من أي وقت مضى إلى صيغة جماعية أوروبية في مواجهة كورونا، وإلا فالجدوى من وجود الاتحاد الأوروبي أساساً على المحك.
لم تقف إيطاليا، إحدى أبرز الدول التي طالها الفيروس، وحيدة في مواجهته، رغم التقصير الأوروبي العام في مد يد العون لها، فهناك أصدقاء ربما لم يكونوا في الحسبان يوماً، وهم الصين وروسيا وكوبا، أرسلوا فرقاً طبية، ومنهم من أرسل فرقاً عسكرية، لمساعدة هذه الدولة الأوروبية في مكافحة تفشي الفيروس. وقد أخذت تحقق نجاحاً ملموساً في ذلك.
ما زال مستقبل الاتحاد الأوروبي غير واضح. كما أن صورة الولايات المتحدة كدولة عظمى في العالم، تواجه أكبر تهديد عرفته، لأنها كانت أيضاً تواجه بوادر تفتت، من خلال التباين الحاد في التعامل مع الفيروس بين إدارة ترامب وبعض حكام الولايات التي تفشى فيها الوباء، وأبرزها نيويورك.
ويبدو أن طرق مكافحة الفيروس في أميركا أخذت تدخل في الحسابات السياسية والانتخابية على حساب الجهد المشترك لمكافحته.
للمرة الأولى، تقف أميركا وأوروبا أمام امتحان صعب يهدّد صورتها التي رسمتها الحرب العالميّة الثانية. وربما لا تبقى ملامح تلك القوى واضحة بسبب العجز والتشتت وعدم القدرة على إيجاد صيغ توافقية لمحاربة الفيروس، في وقت تظهر دول أخرى، كالصين وروسيا وكوبا، بصورة الدول الكبرى عالمياً، من خلال النجاح وتقديم الدعم الإنساني للدول التي تحتاج إلى المساعدة

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.