“ليلة دامية” في قلب بغداد تَلُف حبلاً حول عنق “الشرعية” وتُعرّي “فريق المُطبّلين”

حكومة الكاظمي "تَشوي" العراقيين و"تَقمع" أصواتهم

المراقب العراقي/ المحرر السياسي…
على وقع أزيز الرصاص والقنابل الدخانية الخانقة، أمضى المتظاهرون بين ساحتي التحرير والطيران “ليلة دامية”، سُفكت خلالها دماء مواطنين عزل لا يملكون سوى أصواتهم، التي يطالبون من خلالها بحياة كريمة وحكومة “نزيهة” تُلبّي طموحاتهم، إلا أن الواقع فرض عليهم “معادلة صعبة” أجهضت أي أمل بالتغيير.
وشهدت ساحة التظاهر في بغداد مساء الأحد، تصعيداً احتجاجياً على سوء الخدمات وتردي واقع الطاقة الكهربائية، التي باتت أشبه بـ”طير مهاجر” يختار مواسم محددة ليطل برأسه مجدداً، وسط ارتفاع شديد بدرجات الحرارة جعلها تتجاوز نصف درجة الغليان.
وعمدت مجاميع من المتظاهرين إلى التقدم صوب ساحة الطيران، لكي تجابههم القوة الأمنية الماسكة، بسلسلة قنابل دخانية أسفرت عن إصابة العديد منهم بحالات اختناق نُقِلوا على أثرها إلى المستشفيات القريبة، لتقوم بعد ذلك بإطلاق الرصاصات المطاطية وملاحقة المتظاهرين بالهراوات لدفعهم إلى “التقهقر” والعودة مجدداً إلى ساحة التحرير.
ولم تكتفِ القوة الماسكة بذلك فحسب، بل تعدته لتُمطر المتظاهرين بوابل من الرصاص الحي، الذي أردى محتجين اثنين على الفور، فيما أصيب آخرون بجروح بليغة، في مشهد أثار موجة استياء عارمة وجه خلالها العديد من المدونين اتهامات لحكومة الكاظمي بـ”تعمد قتل المتظاهرين”، فيما ذهب آخرون إلى أن واقعة ساحة التحرير “سحبت الشرعية” من رئيس مجلس الوزراء كونه يتحمل الآن “مسؤولية سفك الدماء”، على حد تعبيرهم.
وعن هذه الوقائع، قالت المفوضية العليا لحقوق الإنسان، إنها وثقت من خلال فرقها الرصدية “الأحداث التي جرت في ساحة التحرير يوم الأحد الموافق ٢٦ تموز ٢٠٢٠ نتيجة للتصادمات بين القوات الأمنية والمتظاهرين”، مشيرة إلى أن تلك التصادمات أدت إلى “استشهاد متظاهرين اثنين وإصابة ١١ آخرين، البعض منهم إصاباتهم خطيرة”.
وأشارت إلى تسجيل “أربع إصابات من القوات الأمنية وحرق ثماني خيم نتيجة استخدام الرصاص الحي والمطاطي والصجم والغازات المسيلة للدموع”.
وفي أعقاب “الليلة الدامية” في التحرير، وجه الكاظمي كلمة تضمنت العديد من المفردات “الدرامية”، كما يصفها المدونون، وقال: “فتحنا التحقيق في كل ملابسات ما حدث في ساحة التحرير، وطلبت تقديم الحقائق أمامي خلال 72 ساعة”.
وتَلقّف العراقيون كلمة الكاظمي بشكل متباين، بين ساخر وممتعض وشديد الغضب، ووجه اتهامات مباشرة له بالتورّط في “سفك دماء” المتظاهرين و”التشبّث بالمنصب” مقابل تقديم “تنازلات” لأطراف محلية ودولية، كما رأى البعض أن أحداث ليلة الأحد “لم تبقِ للكاظمي وحكومته أي شرعية”.
وشملت الانتقادات أعضاء فريق المستشارين والإعلاميين الخاص برئيس مجلس الوزراء، الذين كانوا حتى وقت قريب “طيوراً جارحة” انقضّت على حكومة عادل عبد المهدي عبر “حملات تحريض وتشويه للحقائق”، وفقاً لتدوينات عديدة غصّت بها مواقع التواصل الاجتماعي في العراق، انتقدت “الصمت المطبق” لهؤلاء الأعضاء ووصفتهم بـ”فريق المطبّلين”.
وفق ذلك، يقول المحلل السياسي محمود الهاشمي لـ”المراقب العراقي”، إن “رئيس الوزراء يخرج ويقول إنني لم أعطِ الصلاحية لأي شخص بفتح النار أو استخدام العنف ضد المتظاهرين، بينما تراق الدماء على مسافة قصيرة جداً من المنطقة الخضراء”، مبينا أن “معظم المتظاهرين قرب الخضراء تعرضوا للضرب والاعتداء، فضلا عن الاعتداءات التي طالت متظاهري السجناء السياسيين الذين قدموا من المحافظات”.
وأضاف الهاشمي أن “على الكاظمي أن يستوعب التظاهرات لأننا نشهد منذ تشرين الماضي احتجاجات مستمرة لأسباب مختلفة”، مبينا أن “رئيس الوزراء ذاته كان داعماً للمتظاهرين مع أن بعضهم قاموا بعمليات حرق وتخريب”.
ورأى أن المتظاهرين الذين أعتدي عليهم “لم يحرقوا ولم يعتدوا على الأملاك العامة والخاصة، سواء أكانوا من المحتجين على التعيينات أو من السجناء السياسيين أو حتى المتظاهرين على تردي الكهرباء”.
ووجه الهاشمي نقداً لاذعاً لـ”القنوات الناقمة التي أشعلت تظاهرات تشرين، والتي مازالت تتعامل لحد الآن بازدواجية”، مستدركاً أنها “تعتبر منفذي عمليات الحرق والتدمير وإكراه المسؤولين على الاستقالة وتدمير المستشفيات والاعتداء على الكوادر الطبية، متظاهرين سلميين”.
واعتبر أن “التعامل مع ملف التظاهرات على هذا النحو يدل على ارتباك الكاظمي في التعاطي مع المتظاهرين”، لافتا إلى أن “هناك حزمة من المستشارين الذين يخلقون مثل هذه الأزمات”.

جدير بالذكر أن العراق يشهد منذ مطلع تشرين الأول 2019، تظاهرات عارمة في بغداد ومحافظات الوسط والجنوب، جراء استقطابات محلية ودولية، قدمت على إثرها الحكومة السابقة برئاسة عادل عبد المهدي استقالتها، ليتسلم بعد ذلك الكاظمي زمام السلطة، ويبدأ جولته بتقديم وعود على رأسها تقديم قتلة المتظاهرين إلى “العدالة”.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.