Warning: count(): Parameter must be an array or an object that implements Countable in /home/almuraqebaliraqi/public_html/wp-includes/post-template.php on line 284

ضياء العزاوي .. هيمنة الالوان الساطعة وسطوة شجون الغربة

بعد تخرجه من الثانوية المركزية  في بغداد سنة 1958، التحق العزاوي بكلية الآداب حيث درس علم الآثار، وتخرج منها سنة 1962. خلال سنوات دراسته في كلية الآداب، ارتاد العزاوي المرسم الحر الذي كان يديره حافظ الدروبي والذي كان يضم شعراء مثل مظفر النواب، وفنانين مثل طارق مظلوم، ومدير المسرح عبد الله حبه. شجّع الدروبي العزاوي على متابعة دراسة الفن بحضور دروس ليلية في معهد الفنون الجميلة، وقد أنهى هذه الدروس سنة 1964. تماشياً مع الميل العام إلى تشكيل جماعات فنية، الذي ساد في الخمسينيات، أسس الدروبي جماعة الانطباعيين التي التحق بها العزاوي، رغم أن الأعمال التي كان ينجزها كانت أقرب إلى جماعة بغداد للفن الحديث التي أنشأها الفنان جواد سليم.

خلال فترة دراسته في الثانوية المركزية، كان العزاوي يطالع كتباً فنية في المكتبات ، كما كان يقرأ أعداداً من مجلة الفنون «ستوديو إنترناشيونال» التي كانت تباع في إحدى المكتبات البغدادية. ولكون معهد الفنون الجميلة كان يفتقر إلى مكتبة، كما أن ممارسته للفن هناك كانت تقتصر على الرسومات التشخيصية وعلى دراسة مبتورة لتاريخ الفن الأوروبي، تقوم على رسومات مستنسخة بالأسود والأبيض، سعى العزاوي إلى التعرف عن قرب على قطع من المتحف العراقي كان يعلم بوجودها من خلال دراسته لعلم الآثار؛ لكنه لم يكن ينظر إلى تلك القطع بوصفها تحفاً أثرية لحضارة قديمة، بل كأعمال من تاريخ الفن الذي، رغم تقطعه، يشمل أعماله باعتبارها إحدى امتداداته الحديثة. عمل بشكل خاص على التماثيل السومرية، مستوحياً من شكل أجسادها الأنبوبية، ومن الأعين الواسعة الجوفاء، المتمركزة في وسط الوجه، نموذجاً للشكل البشري استمر بالظهور في أعماله. أما التأثير الرئيسي لتاريخ الفن هذا على ممارسته النامية، فكان توسيع حسّه في حقل الأشكال الممكنة التي يمكنه أن يعمل عليها، وفتح عينيه على الإمكانات التعبيرية في الثقافة الشعبية. في لوحاته الأولى، استمد العزاوي مواضيعه من الأشكال البصرية التي كان يراها في الحياة اليومية، ومن الأضرحة بصفتها مراكز للأنشطة الإنسانية، ومن الأساطير مثل ملحمة جلجامش واستشهاد الإمام الحسين. ومع أن نقوش السجاد والطلاسم استمرت بالظهور لسنوات عديدة في أعماله، فإن ولعه المبكر بالأساطير هو الذي طبع أعماله اللاحقة عبر توجيه ممارسته الفنية للارتباط بالنص على نحو متزايد.

يعتبر العزاوي أن الأساطير هي جزء من منظومة أشمل أطلق عليها اسم «الآداب الشعبية» أو «الفلكلور». وفّرت مجموعة القصص هذه أرشيفاً من المفاهيم السردية والتشخيصية يمكن تطويرها كوسائل تعبير عن تجارب الحياة المعاصرة. خلّف العنف وعدم الاستقرار السياسي اللذان أعقبا الانقلاب البعثي الأول في 1963 ندوباً في العراق ووضعاه في مواجهة ما وصف بـ «المأساة». بالنسبة للعزاوي، أعطت شخصية الشهيد الذي يواجه الظلم، في مختلف صياغاتها الأدبية، سواء في قصة استشهاد الحسين أو في ملحمة جلجامش، وسيلة للتعبير عن شجون تلك التجربة. لم تكن شخصية الشهيد الصورة الأدبية الوحيدة التي عمل عليها العزاوي بهذا السبيل؛ فقد أنجز كذلك العديد من اللوحات المستمدة من قصص ألف ليلة وليلة. وفي كلتا الحالتين، لم يكن الهدف هو تصوير القصة بل استخدامها كموضوع أو مفهوم لما تسعى تلك القصة للتعبير عنه.

تطوّرت العلاقة بالسرد التي بدأها في أعماله مع الأساطير، إلى علاقة بالشعر بشكل خاص في أواخر الستينيات وبداية السبعينيات، بدءاً من رسوماته لديوان مظفر النواب في 1968 «للريل وحمد». وبعمله أكثر فأكثر مع الشعر، أصبحت رسوماته ولوحاته أكثر فأكثر باطنية، تدعو للتحليل لكنها تعصاه.

عبّر العزاوي بشكل واضح سنة 1969 عن نهجه في العمل من خلال التاريخ بوصفه أرشيفاً من الصيغ التي تستخدم لخلق أشكال معاصرة، في بيان بعنوان «الرؤية الجديدة». كتب هذا البيان العزاوي ووقع عليه خمسة فنانين  بما فيهم رافع الناصري، ومحمد مهد الدين، واسماعيل فتاح، وهاشم سمرجي، وصالح الجميعي، وقد كان جزءاً من ردود الفعل الثقافية الواسعة النطاق على هزيمة البلدان العربية في حرب الستة أيام مع إسرائيل سنة 1967. رسم هذا البيان خطوط علاقة جديدة للفن مع العوامل السياسية، يكون فيها العمل الفني موقعاً لطرح الحقيقة في ظروف يسود فيها الكذب. تأكدت علاقة الفن بالسياسة هذه من خلال عدة مبادرات نظمها العزاوي في العشر سنوات التالية، مثل بينالي الفن العربي الثاني في الرباط حول القضية الفلسطينية (1976)، ومعرض بغداد العالمي للملصقات (1979)، وبينالي العالم الثالث لفن الجرافيك (1980).

غادر العزاوي العراق للمرة الأولى في العام 1975 للمشاركة في محترف صيفي لأعمال الحفر في سالزبورغ، النمسا. جعلته تلك الرحلة يعي مدى أهمية ترك العراق بالنسبة له، سواء من أجل توسيع مجاله الفني أو لامكانية العمل بصورة مستقلة، مما كان النظام البعثي قد حرم مواطنيه منه بشكل متصاعد. انتقل العزاوي سنة 1976 إلى لندن، وعمل هناك على تعزيز معرفته في مجال فن الحفر، كما طوّر ما أسماه «القصيدة المرسومة» ـ وهي رسومات لا تمثل القصيدة بذاتها، بل تعد امتداداً بصرياً لأبعادها اللغوية. أنجز هذا الشكل من القصائد البصرية أولاً في مطبوعة من أعمال الحفر مستمدة من الأشعار المعروفة بـ «المعلقات السبع» والتي تعود إلى الفترة ما قبل الإسلامية. في 1979، استخدم العزاوي شكل القصيدة المرسومة الجديد لانجاز لوحات تستند إلى قصائد لمحمود درويش ويوسف الصايغ والطاهر بن جلون، كتبت رداً على المجزرة التي تعرض لها الفلسطينيون في مخيم تل الزعتر في بيروت، قبل ثلاث سنوات. وإثر مجزرة مخيّمي صبرا وشاتيلا في بيروت سنة 1982، أنجز العزاوي سلسلة أخرى من أعمال الحفر مستمدة من نص لجان جينيه «أربعة ساعات في شاتيلا»، بالإضافة إلى جدارية بقيت في المجلس الوطني للفن والثقافة، في الكويت حيث عرضت للمرة للأولى، حتى سنة 2012 عندما تمّ نقلها إلى متحف تيت مودرن في لندن.      

انتهت مرحلة الأعمال الملتزمة سياسياً، التي بدأت بعد 1967،  مع مجزرة مخيمي صبرا وشاتيلا. بعد 1983، بدأت العناصر التي كانت تطورت في أعماله عبر العقود السابقة تتبع منطقاً خاصاً بها، مما أدى إلى نوع من هيمنة الألوان، يتضح من خلال التحول من الرسم بالألوان الزيتية إلى الأكريليك. اشتهر العزاوي بألوان لوحاته الساطعة منذ أن بدأ يعرض أعماله في بغداد في أوائل الستينيات، وعاد في الثمانينيات إلى التركيز على الألوان ضمن مختلف الأشكال. تشمل هذه الأشكال الحروف العربية، التي تخلى عنها العزاوي بسرعة ما أن جلبت اهتمام الطامعين في أسواق الفن؛ ونوع خاص من القطع النحتية يندمج فيها الرسم بالنحت ببعضهما؛ وعودة إلى النصوص الأدبية مثل ملحمة جلجامش وألف ليلة وليلة، ولكن هذه المرة، على شكل أعمال حفر وبدون الغموض المجازي الذي ساد في لوحات الستينيات؛ وبدءاً من 1989 على الأخص، باشر ما دعاه بـ «الدفاتر»، وهو نوع من الكتب الفنية التي سعى فيها إلى خلق أشكال بصرية مستلهمة من كبار الشعراء العرب، من المتنبي إلى الجواهري وأدونيس. أنتج العزاوي ما يزيد على الأربعين دفتراً، وعندما وقعت حرب الخليج في العام 1991، ونهب المتحف العراقي في 2003، وفرت مجموعة الدفاتر وسيلة للتعبير عن تلك الأحداث.تولى العزاوي من سنة 1968 إلى 1976 منصب مدير مديرية الآثار العراقية في بغداد، وعمل من 1977 إلى 1980 مديراً فنياً للمركز الثقافي العراقي في لندن، حيث نظم العديد من المعارض، بما فيها معرض «فن الجرافيك العربي المعاصر» (1978)، و»معرض بغداد العالمي للمصلقات» (1979)، و»بينالي جرافيك العالم الثالث» (1980)، و»تأثير الخط على الفن العربي المعاصر» (1980)، بالإضافة إلى المعرض الذي أقيم على ثلاثة أجزاء «الفنانون العرب المعاصرون» (1978، 1979، 1983). عمل كذلك كمشرف على مجلة «أور» (1978 ـ 1984) ومجلة «فنون عربية» (1981 ـ 1982). وبين عامي 1988 و1994، كان عضواً في هيئة تحرير مجلة «مواقف».نظم العزاوي سنة 2010 معرض «موطني» في غاليري «آرت سوا» في دبي، وشمل هذا المعرض أعمالاً لفنانين اضطروا لمغادرة العراق في أزمنة مختلفة، وعبروا عن حالة الدمار التي شهدها بلدهم إثر الاجتياح الأميركي. وفي 2010 ـ 2011، نظم كذلك بالتعاون مع شارلز بوكوك معرض «الفن في العراق اليوم» على خمسة أجزاء، في غاليري ميم، دبي. استمد عنوان هذا المعرض من مقالة للناقد جبرا إبراهيم جبرا كتبها سنة 1961، وكان الهدف هو السعي لبناء حوارات بين أعمال فنانين عراقيين من مختلف الأجيال، يعيشون في بلدان مختلفة.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.