Warning: count(): Parameter must be an array or an object that implements Countable in /home/almuraqebaliraqi/public_html/wp-includes/post-template.php on line 284

دعونا نستيقظ من “الجيثوم” من أجل الصباح..!

قاسم العجرش …
في الليلة الفائتة كنت أختنق تحت وطأة “الجيثوم”، وهو حالة نادرة تأتي أثناء النوم، يصاب بها كثير من الذين يفكرون بأشياء كثيرة، وهو أشبه بالشلل التام مع أن الفرد مستيقظ، ولكنه لا يستطيع أن يتحرك أو أن يفعل شيئا.
كنت ما أزال في حالة”الجيثوم”، جلست في سريري، أمسكت برأسي بين يدي، ضغطت قليلا على صدغيَ، مستعرضا ما يجري في العراق هذه الأيام،حيث يقف إزاءه العقل الاعتيادي المنشغل باهتماماته اليومية، عاجزا عن التفسير والفهم، بل وحتى الإدراك الأولي.
عجز إزاء الأحداث يشبه العجر إزاء “الجيثوم”، لأنها ليست واضحة المقاصد والأهداف، وهو أمر لا يعيه أغلب المنخرطين فيها، لأنهم يعرفون أن هذه الأهداف أكبر منهم، ومع ذلك تراهم قد انخرطوا فيها!
ما زلت مطرقا والصداع يلتهمني، لكنني توصلت إلى أن العراق يمر الآن بأحلك ظرف مر فيه منذ قرن تقريبا.
كانت صور الاحتجاجات المتحركة بسرعة أمامي كفلم هوليودي، تدفع للتساؤل عَمَّنْ يحرك الاحتجاجات، ومن يقودها ويمولها، بصرف النظر عن نظرية المؤامرة التي لم يكن بالإمكان تنفيذها بمهارة، دون أن تكون هناك أرضية صالحة وأسباب منطقية، تجعل الحديث عن المؤامرة إهانة للشعب والعقل.
ثمة من يصيح برأسي أن التظاهرات؛ بسلوكياتها التي لا تشبه تظاهرات الآدميين في أمكنة أخرى غير بلاد ما بين النهرين، لا يمكن النظر إليها إلا بوصفها احتجاجا من نمط جديد، يكشف عن عمق الهوة والتناقض الحاد، بين سقوف التظاهرات وبين رؤية الطبقة السياسية، التي كانت تعتقد أنها توسدت ريش السلطة إلى الأبد، وأنها معبدة فيها إلى يوم يبعثون.
الطبقة السياسية المرغمة على الاعتراف بضرورة الإصلاح، تطرح مفهوما للإصلاح مختلفا تماما عمّا يراه المحتجون، فهي تعتقد أن الإصلاحات تعني الخدمات، من سكن وفرص عمل وضمان وغيرها، فيما يتحدث المتظاهرون عن مطالب الخدمات كمقدمة للمطالبة بتغيير بنية النظام، ثم الشروع بالإصلاحات.
التظاهرات تطالب بتعديل الدستور، وتغيير قانون الانتخابات، أو الانتقال من البرلماني إلى الرئاسي، والسبب في ذلك هو أزمة الثقة الطاحنة، بين الطبقة السياسية والمجتمع، فيما لم تفكر الطبقة السياسية بذلك، على الرغم من تنبيه المرجعية الدينية بذلك منذ عام 2012 ولغاية اليوم، والسبب في عدم التفات القوى السياسية إلى التحذيرات؛ هو عماها السياسي وفقدانها البصيرة.
الحقيقة أننا نحتاج إلى الفصل بين حركة الاحتجاجات ومنظورها للإصلاح، وبين رؤية الطبقة السياسية، انطلاقا من ذلك نبدأ بإجراءات لتعزيز الثقة وردم الفجوة بين الشارع والسلطة عبر إجراءات عملية أهمها
أولا: أن تنزل المرجعية الدينية إلى الميدان، وتقدم رؤية واضحة لما يجب أن تقوم به الدولة، وما يتعين على المحتجين سلوكه.
ثانيا: تهدئة الشارع، وحث وسائل الإعلام على التهدئة وعدم تضخيم الأمور، بحجة حرية الرأي والتعبير التي هي محترمة بالتأكيد، لكن طريقة وأسلوب النقل، تنبغي أن تكون مسؤولة أكثر وبدون إثارة، لأن وسائل الإعلام ومواقع التواصل؛ هي التي تقود الشارع الآن.
ثالثا :دعوة كل من يتبنى مطالب المتظاهرين، خصوصا السياسيين والناشطين والإعلاميين، بوصفها حقوقا مشروعة غير قابلة للتصرف، مع نزوعهم الدائم إدانة الحكومة والطبقة السياسية بشكل كامل، أن يلتزموا الهدوء لفترة من أجل المصلحة العامة، وفي مقدمتها مصلحة المتظاهرين، لأن الاستمرار بهذا التصعيد، دون ظهور قيادة واضحة للتظاهرات، يعني إِمّا الذهاب إلى الفوضى بالكامل، أو نهاية التظاهرات بطريقة أو أخرى، أو ركوب موجتها وخطفها وهو ما يعني خسارة للجميع.
كي أذهب إلى الصباح، استيقظت من “الجيثوم” تماما، وضغطت قليلا على صدغي مرة أخرى، وتذكرت حديثا للإمام الخامنئي؛ ألفت فيه بصيرة المعنيين إلى أن “للنّاس مطالب وهي محقّة، لكن عليهم أن يعلموا أنّ مطالبهم إنّما تتحقّق حصرا ضمن الأطر والهيكليّات القانونيّة لبلدهم، ومتى ما انهارت الهيكليّة القانونيّة يستحيل القيام بأيّ عمل”.
كلام قبل السلام: فجأة تذكرت بيت شعر للشاعر العراقي معروف الرصافي يقول فيه:
لا يَخْدَعنَّكَ هتافُ القومِ في الوطنِ فالقومُ في السرِّ غيرُ القومِ في العلنِ

سلام…

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.