Warning: count(): Parameter must be an array or an object that implements Countable in /home/almuraqebaliraqi/public_html/wp-includes/post-template.php on line 284

عن “الجبل الأشم” الذي يقاوم عوامل التعرية..!

قاسم العجرش …
أمضينا الثمانية عشر عاما الأخيرة؛ ونحن نتكلم بلا انقطاع عن الديمقراطية، وعن العملية السياسية، والتداول السلمي للسلطة، وهرفنا بما نعرف وما لا نعرف، عن نظرية العقد الاجتماعي، وعن مأْسَسة الدولة؛ وغيرها من المصطلحات والتعابير المجانية، لكننا بالواقع كنا ننفق وقتنا بما لا نريده ولا نؤمن به!
الديمقراطية ليست “طق حنوك”، بل هي “موضوع” شائك معقد، تتعين مقاربته بوعي متكامل، لا يحتمل التأويل والاجتهاد والاجتزاء، فضلا عن أن الديمقراطية تحتاج إلى مقدمات، أهمها الحرية؛ التي تمثل الركيزة الأولى للديمقراطية، وإلى ضمانات الحياة الحرة الكريمة، وعيش بلا خوف من المجهول إو ما سيأتي به الغد.
الديمقراطية كنظام حكم وكمنهج اجتماعي سياسي؛ تختلف اختلافا جوهريا وجذريا، عن الشعبوية التي يعتقد كثير من السُّذَّج؛ أنها الديمقراطية التي تتحدث عنها أدبيات السياسة، فالشعبوية بالواقع منهج صارخ، من مناهج ديكتاتورية قيعان المجتمعات، التي تفرض قيمها وآراءها وممارساتها على بقية مكونات المجتمعات، فتخضع لها مرغمة مغلوبة على أمرها، ثم تضطر إلى التعايش معها، وشيئا فشيئا تتقبلها، وتتحول إلى جزء منها، وتكون النتيجة انهيارات مجتمعية مستمرة، كما هو جار على قدم وساق في العراق!
لا ينفع أن نطالب بالديمقراطية، بل يتعين علينا أولاً، أن نكون أصحاب وعي مهيأ لها، أما محاولة محاكاة الدول الأخرى؛ التي تعتنقها كنظام حكم، أو أن نقوم باستيرادها، ونعلبها بمبانٍ برلمانية، أو أن نغمس أصابعنا بالحبر البنفسجي، ونلقي أوراقا نعرف أن هنالك من سيزورها أو يمزقها، أو يحرقها الشعبويون على رؤوس الأشهاد، ويستبدلونها بغيرها مما أعدوه سلفا، فليس أكثر من تضليل لأنفسنا دون سوانا.
القصة ليست بمبنى للبرمان، ولا بـ”عرس” انتخابي، كما اصطلح الإعلام على وصف الانتخابات، بل بالوعي الشعبي والاجتماعي، لمفهوم العلاقة بين الحاكم والمحكومين.
ثمة علاقة وشائجية بين الديمقراطية والتنمية، فالتنمية الفكرية عماد الديمقراطية، والديمقراطية تتطلب يقظة الناخب، كي لا يبدو همجياً أو داعشياً، ولكي لا يخضع لأساليب الشعبويين القسرية.
الديمقراطية لا تنسجم أبدا؛ مع غياب المساءلة، ولا تتسق مع تنامي غيلان الفساد، ولا تفشي المحسوبية، ولا انتهاك العدالة الاجتماعية، فهذه كلّها عوائق تحول دون الممارسة الديمقراطية.
الديمقراطية ليست “لعبة دعبل” يمارسها الصفار في الحواري، بل هي تحول كبير في حياة الشعب، يجب أن نقاربه بكثير من الحيطة والحذر، وأن نوطن أنفسنا على قبول مخرجاته، بل يجب أن نحب هذا التحول ونتعشقه ونتغنى به، هذا إذا حسمنا أمرنا بأنه طريق لمستقبلنا، فلقد كلفت الديمقراطية في مواطنها الغربية؛ كثيراً من التحولات الدامية والمأساوية، حتى وصلت إلى عمق الوعي الجمعي، الذي أطلقها وقام بصياغتها، في مؤسسات رصينة تمارسها بمسؤولية.
الديمقراطية لا تتعايش أبدا على سطح واحد، مع فكرة “الزّعيم” الخارق، التي تصنعها دوما زبانية المرتزقة المعتاشين القريبة منه، وتخشى من فقدان امتيازاتها إذا آلت الأمور لغيره..هؤلاء تتضارب دوما رغبتهم في تأبيد مصالحهم، مع القِناع الدّيمقراطي؛ فيلجأون إلى المخالفات الصارخة والاستثناءات الفِجَّة، حيث يقيمون مزارع الفساد السياسي..!
كلام قبل السلام: الزّعيم السياسي ما يزال عندنا استثنائيا، فهو “جبل أشم” يقاوم عوامل التّهرئة والتعرية، ولا يؤثّر فيه تعاقب الحدثان..!
سلام

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.