Warning: count(): Parameter must be an array or an object that implements Countable in /home/almuraqebaliraqi/public_html/wp-includes/post-template.php on line 284

«مرافئ الحب السبعة» اشتياق المنفيين الفارين من ألسنة الموت إلى الوطن الأم

 المراقب العراقي/ المحرر الثقافي…

يرى الناقد المغربي  ياسين الشعري ان بطل رواية “مرافئ الحب السبعة” للكاتب علي القاسمي هو رمز للمنفيين واللاجئين والفارين من ألسنة الموت، تصور معاناته وهمومه وتأزماته النفسية، وما يكابده في منفاه من وجع الحنين والشوق إلى الوطن.

وقال الشعري في قراءة نقدية خص بها (المراقب العراقي ):في رواية علي القاسمي «مرافئ الحب السبعة» نقف عند ثيمة أساس من الثيمات التي خاض فيها الروائيون العراقيون وهم في بلاد المهجر، وهي ثيمة المنفى، ويسعى إلى تمثل تداعياتها على الذات النصية، وما تلجأ إليه هذه الذات، في سبيل التعبير عن آلامها، وهي تقاسي النفي والاغتراب، من إمكانات فنية، تتبدى من خلالها ذاتا متشتتة ومتصدعة، تعاني انشطارا هوياتيا، يجعلها فاقدة لانتمائها وكينونتها، فلا هي تعيش في بلدها، الذي أرغمت على هجره، ولا هي مستأنسة بالفضاء الجديد، فتنسى ما ألم بها من مآس وهموم.

واضاف : ان بطل الرواية هو رمز للمنفيين واللاجئين والفارين من ألسنة الموت، تصور معاناته وهمومه وتأزماته النفسية، وما يكابده في منفاه من وجع الحنين والشوق إلى الوطن، الذي أبعد عنه. تكشف عن خيباته وانكساراته وتمزقاته وآلامه وانشطار هوياته بين «هنا» و«هناك» بين الوطن والمنفى. ذلك الوطن الذي اضطر سليم الهاشمي إلى الفرار منه رفقة صديقه زكي، إثر انقلاب عسكري حدث في العراق، أضحى مهددا لحياته، ولحياة كثير من المثقفين العراقيين، تاركا وراءه أهله وقريته، ولم يحمل معه غير حفنة من ترابها، وشال أمه وريشة من ريش بطته، وخوصة خضراء انتزعها من إحدى سعفات نخلتهم. أضحت تذكارا لوطنه العراق، أو قل الوطن الجميل، ترمز إلى أن العراق ما زال حاضرا في ذهنه، بأهله وأرضه ومائه ونخله، على الرغم مما كابده بسبب حكامه، الذين كانوا سببا في ارتحاله الاضطراري ونفيه الاختياري. يستقر به المقام رفقة زكي في لبنان يقاسي الغربة، ويتجرع حمى فراق وطنه مجبرا، غير أن الأقدار تشاء أن يغتال زكي في شوارع لبنان، فيزوره والده ويدفعه إلى السفر إلى الولايات المتحدة الأمريكية، وهناك سيشتد به الحنين، ويعبث به المرض، فيحول لياليه إلى أرق وسهاد، لم يكن يجد برءا منه إلا شال أمه الذي كان يربط به رأسه، فيخف ألمه، وتتداعى ذاكرته شوقا وحنينا إلى أيامه الخوالي.

وتابع :أنجزت الرواية تمثيلا لمعاناة ذات عليلة تقاسي ألم النفي والاغتراب، وتذوق مرارة البعد عن الوطن. وهي معاناة لا سبيل إلى التخلص منها إلا بالعودة إلى أحضان الوطن، فعلى الرغم من أن سليم الهاشمي أجبر على فراق العراق، إلا أنه يحن إليه، لكنه لا يحن إلى عراق الحاضر، وإنما إلى عراق الماضي، حيث طفولته وصباه، يمثل العراق في قريته الصغيرة وفي نخلها وأهلها، ويكابد نفيه باسترجاع طفولته توقا إلى وطن جميل، ونفيا لوطن طاغٍ يحيف بأهله، ينفر من فضاء المنفى باعتباره فضاء عنيفا وعدوانيا، ولا يشعر بالانتماء إليه، فيظل هاجس الوطن ماثلا في ذهنه وأخيلته. جاء في الرواية «أهيم في المدينة الصاخبة الصماء. تجول عيناي في شوارعها. تطالعني جدرانها الحزينة، كالحة معتمة دونما أي زينة. تختفي في عينيّ معالمها، بناياتها، أشجارها، أضواؤها، ويتلاشى صخبها فلا يبلغ سمعي. تتراءى لي بساتين قريتي، نهرها الرقراق، جداولها المعطاءة، نخيلها، أزقتها، منزلنا القديم. يسري عبق الوطن في عروقي، وأوردتي، وشراييني، ومفاصلي، وجميع مسامات جسدي، مثل دمي، ويترنح الوجيب في قلبي».

واستطرد: أفرز التباس الهوية وانشطارها بين فضاء المنفى وفضاء الوطن انشطارا مماثلا في زاوية النظر والضمير السردي، حيث تتحول الرؤية حينا من الرؤية المصاحبة إلى الرؤية العالمة، ويتغير الضمير السردي من ضمير الغائب «هو» إلى ضمير «أنا المتكلم» بطريقة فجائية.

واشار الى ان هذا المقتطف يقدم صورتين متناقضتين للوطن والمنفى، ففي حين عمد السارد/ الشخصية إلى اختيار ألفاظ دالة على بؤس فضاء المنفى، ما يوحي بعدم استئناسه به (جدرانها الحزينة، كالحة، معتمة، تختفي في عيني…)؛ يختار للوطن/ القرية أوصافا تشي بالجمال والرونق، وتُشعر بالانتماء والانجذاب (نهرها الرقراق، جداولها المعطاءة، يسري عبق الوطن في عروقي…). لقد فقد السارد/ البطل الشعور بجمال المنفى، إلى درجة أنه أحس بها صامتة رغم صخبها، فاقدة لملامح الجمال، الذي يشد الذات إلى موطنها الأصلي، ويجعلها أسيرة ذكراها وماضيها. وبذلك، فهي تتموضع بين حدي الوجود (المنفى) والانتماء (العراق) ويتجاذبها زمنان: زمن الماضي حيث السكينة والاطمئنان، وزمن الحاضر، الذي هو زمن التربص والتهديد والاغتيال.

 واوضح :لما كانت الذات النصية تعيش في عالم المنفى الذي هو »عالم غامض مشظى، وبلا معنى ومناخ تلفه الحيرة والشك؛ فمن الطبيعي أن تفقد هذه الذات توازنها ووحدتها وتماسكها؛ فالذات الواحدة لم تعد ذاتا، بل تحولت إلى ذوات، وهذا يعني أنها أصبحت هامشية أو بتعبير آخر لم يبق منها إلا الظل» (شكري عزيز الماضي، أنماط الرواية العربية الجديدة). فسليم الهاشمي موزع بين «هناك» حيث العراق وطنه ، و«هنا» حيث الغرب عالم المنفى والاغتراب ،هذا العالم الذي فصل، بما هو فضاء الاستبعاد والاغتراب، الذات عن وطنها وماضيها، وألقى بها في عالم جديد لا تشعر فيه بالاستئناس، ولا تتلاءم معه، وتحاول تجاوزه بتشغيل الذاكرة، واسترجاع ماضيها، وتمثيل عالمها المفقود في أبهى حلة. وبذلك، يمكن القول إن الذكرى المسترجعة هي بديل للعالم الذي ألقيت فيه الذات، بديل للحرمان الذي يشعر به، هي حكاية ماض مفقود، وذكرى وطن حرمت منه الذات. غير أن هذه الحكاية المستعادة عوض أن تبرئ الذات من اعتلالاتها تسهم في تناميها وتضاعفِها، حتى «أضحت حياة سليم اغترابا لا يطاق وعذابا متصلا، وصارت أماسيه كئيبة موحشة، وغدت لياليه طويلة مثخنة بالشوق والحنين والأنين. وبدا الشحوب على وجهه والنحول على بدنه».

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.