قادة العدوّ الإسرائيليّ.. كلّ جنوب لبنان مُقاومة

بقلم/ محمد زكريا عباس…

يبدو “جيش” العدوّ الإسرائيليّ كالثّعلب المكبّل حيال تنفيذ عمليّات عسكريّة في لبنان، وهو يعمل في جوف الليالي طمَعاً بتحقيق إنجازات أمنية في إطار مواجهته للمقاومة، في محاولة منه لعدم ترك أدلّة واضحة تدينه بشكل مباشر.
هذا الأمر يعكس الخوف والقلق لدى قادة العدو الإسرائيلي من خطوة الإقدام على أيّ عمل بشكل علنيّ وصريح في لبنان، ولكن إلى متى؟ وخصوصاً أنَّ قادته العسكريين والسياسيين متخوّفون من وصول المقاومة في لبنان إلى عتبة توازن الردع الكامل معهم، بسبب التكنولوجيا الحديثة التي تدخلها إلى أسلحتها.
وها هو “جيش” العدوّ يتلقّى الصفعات، الواحدة تلو الأخرى، من قيادة المقاومة، وتُفرَض عليه معادلات جديدة باستمرار، وهو الذي بنى عقيدته القومية على مفاهيم “الضربة الاستباقية” و”الحرب الوقائية”. ومن تلك الصفعات التي قد يُخيّل إلى البعض أنها ليست ذات قيمة بسبب مرض “عقدة النقص المزمنة” لديه:
أولاً: أسقطت المقاومة عدة طائرات استطلاع على الحدود اللبنانية الفلسطينية المحتلة، والتي قد يكون ناتج تشغيلها مهماً جداً، لأنها تكشف عن قرب ما قد يصعب على الطائرات الكبيرة رؤيته، فهي تستطيع النفاذ إلى الزوايا المخفية من الحدود، ويوليها العدو اهتماماً كبيراً بسبب تخوفه الدائم ويقينه، بحسب تصريحات قادته، من حتمية دخول مقاتلي حزب الله إلى فلسطين، إضافة إلى أنه يعكس الجاهزية المعلوماتية العالية للمقاومة لرصد العدو والتعامل مع المستجدات بشكل مباشر.
ثانياً: استهدفت المقاومة أكثر من مرة أهم طائراته الاستطلاعية الكبيرة نسبياً من طراز “هرمز 450” بصواريخ دفاع جوي أربكتها وجعلتها تغادر الأجواء اللبنانية لفترات محددة، لكنه لم يحرّك ساكناً، واكتفى بالتصريحات والتوعد بأنه يدرس إمكانية الرد على ذلك. هذا الأمر يشكل وضعاً حساساً جدّاً للعدو، لأنه لا يستطيع تحمل غياب طائراته الاستطلاعية عن لبنان، نظراً إلى ما تحقق له من “تفوق معلوماتي” على المقاومة، بحسب ادعاءاته.
ثالثاً: تعلن المقاومة جهاراً أنها ماضية في مشروع زيادة الصواريخ الدقيقة، وأن الأعداد تضاعفت لديها عمّا قبل. وحتى الآن، لم يجرؤ العدو على أيّ استهداف علني لأي مصنع أو مخزن يدّعي وجوده في المناطق التي كشف عن إحداثياتها.
رابعاً: حجم القلق والإرباك الذي ما زال مهيمناً على قادة العدو وسلوك “جيشه” على الحدود اللبنانية الفلسطينية، بسبب إصرار المقاومة على قتل جنود إسرائيليين مقابل قتل العدو أحد أفراد المقاومة في سوريا منذ حوالى 7 أشهر، ما شكّل استنزافاً غير مسبوق لهم، وأدّى إلى أضرار اقتصادية وسياسية ونفسية وعسكرية، وهو يعكس عجزاً استراتيجياً لديهم، لعدم قدرتهم على إحباط هذا التهديد وما يعنيه من تضرر إضافي للصورة المطبوعة في ذهن الكثيرين بأن “الجيش” الإسرائيلي هو الأقوى في المنطقة.
خامساً: هذه المقاومة قوية ومقتدرة، وما زالت ثابتة لا ترتعد، وهي جاهزة للمواجهة في كل ساعة إذا ما تطلب الأمر، ولم تستطع المناورات الضّخمة المتنوّعة التي أجراها العدو مؤخراً، من “السهم القاتل”، إلى “عاصفة البرق”، إلى “وردة الجليل”، أن تؤثر في قواعد الاشتباك التي ثبتتها المقاومة أو أن تعدّلها.
سادساً: أفشلت المقاومة إجراء انقلاب سياسي في لبنان، كان من وسائله أولاً الضغوط والعقوبات الاقتصادية الأميركية التي ساهم فيها العدو الإسرائيلي وبعض دول الخليج. ثانياً، استغلت تلك الجهات كل ما حصل من تحركات شعبية في العامين 2015 و2020 بسرعة عالية، وكانت أمنية القادة الإسرائيليين أن تُقلب الطاولة على المقاومة، وأن ينتصروا عليها سياسياً ويجرّدوها من حاضنتها الشعبية التي ستنصرف لهمومها المعيشية والاقتصادية.
وإذا أردنا أن نقرأ المشهد بشكل مغاير وغير نمطي، فإنّ بعض هذا اليأس كان يظهر عندما كان قائد أركان “جيش” العدو الإسرائيلي يعلن أنّ كل بيت من 5 بيوت في جنوب لبنان يتضمن غرفة للسلاح، وعندما كان وزير أمن العدو بني غانتس، يعلن أن كل منزل من جنوب لبنان يضم غرفة للضيوف وغرفة للسلاح. يعني ذلك أنّ كلّ أهدافهم سقطت عند أعتاب الجنوبيين المقاومين، وأنَّ أغلب محاولاتهم فشلت في الفصل بين المقاومة وأهلها، وهم يذكرون هذا الأمر في سياق التبرير المسبق لعمليات القصف العدوانية التي ستطال المدنيين بحجة وجود مخازن للأسلحة.
هذا المسار العدواني ليس جديداً على العدو الإسرائيلي، إذ كانت عملية شرعنة استهداف المدنيين أمام المجتمع الدولي في صلب خطة رئيس الأركان السابق غادي إيزنكوت تحت حجج واهية وكاذبة، كما يحدث الآن، لكنّ صفعة المقاومة الأكبر له كانت بتجرّعه الكأس نفسها التي حاول أن يسقيها منها، إذ نشر الإعلام الحربي التابع لها، ولأول مرة، معلومات استخبارية دقيقة بالصور والإحداثيات لأهداف عسكرية وأمنية إسرائيلية موجودة بين منازل المستوطنين في المدن والمستعمرات، وقرب المستشفيات والجامعات ورياض الأطفال. وقد سبقها كلام الأمين العام لحزب الله بإعلانه عن وجود عشرات المقرات العسكرية في المدن والمستوطنات الإسرائيلية بين المدنيين، وهي أهداف للمقاومة.
ما هو معروف أن المقاومة التي تدافع عن أهلها وتبذل التضحيات والشهداء لأجلهم، لا يمكن أن تكون سبباً في قصفهم، وهي حريصة بكل المقاييس والمعايير الوقائية على أن تبعد الأذى والأضرار عنهم في أي مواجهة عسكرية أو حرب مقبلة.
هذا العدوّ الذي لا يُؤمَن جانبه أكّد اليوم بطريقة غير مباشرة أنّ كلّ بيوت جنوب لبنان مُقاومة، والمقاومة التي تولد من رحم الشعب لا تُهزَم.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.