Warning: count(): Parameter must be an array or an object that implements Countable in /home/almuraqebaliraqi/public_html/wp-includes/post-template.php on line 284

«طائر التمّ» سيرة ذاتية في شكل رواية أدبية وفلسفية

المراقب العراقي/متابعة….

لم يعد كافيًا، بعد صدور «طائر التم، حكايات جنى الخُطا والأيام» وصف فهمي جدعان بـ«المفكر العربي» وإنما يجب وصفه أيضا بـ«الأديب العربي» لا لأنه كتب سيرة ذاتية مثلما كتب غيره من المفكرين العرب، وإنما لأنه قدم سيرة ذاتية في شكل رواية أدبية وفلسفية حية، واختار الأسلوب السردي عن قصد، لأنه، كما يقول: «أبلغ من الخطاب الفلسفي – الذي ألفته طيلة عقود – في الكشف عن سريرة الكينونة الإنسانية وعن أغوار الوجود وحيله وتشخُصاته في الحياة الفردية والجمعية». خطاب معزز بحوارات حقيقية ومتخيلة، تظهر منذ الصفحات الأولى في ذلك الذي يجري بينه وبين نادلة مقهى (خوان فالديز كافيه) الفضاء المحبب إلى قلبه للراحة والعمل والكتابة معًا.

فإذا كان الأسلوب السردي يتمتع بسمات مختلفة عن الخطاب الفلسفي، فإنه في حالة صاحب كتاب «فتوحات شاردة لأنوار عربية مستدامة» (2019) لا يتعارضان، ومرد ذلك لأمرين: الأسلوب اللغوي الذي يميز الكتابات الفلسفية لفهمي جدعان، وفلسفته التي تقوم على مبدأ الجمع بين العقل النظري والعقل الوجداني، وهو ما حققته هذه السيرة ـ الرواية التي جمعت بين المصطلح الفلسفي الحاضر بقوة، والعبارات الأدبية الغنية في دلالاتها، والجميلة في أسلوبها.

وبحكم أن السيرة ـ الرواية تقدم عوالم مختلفة، ومستويات متعددة، وتجارب حياتية ترتبط بشخص صاحب كتاب «تحرير الإسلام ورسائل زمن التحولات» (2014) التي تبدأ بالشتات، وحياة المخيم، والدراسة في دمشق ثم في باريس، والتدريس في الجامعة الأردنية وسلطنة عُمان، والكويت، وقطر، والتنقل بين مختلف عواصم العالم محاضرًا ومقدما أبحاثه وآراءه الفلسفية في عديد الندوات والمؤتمرات، في قضايا الفلسفة الإسلامية والفكر العربي الحديث والمعاصر، وظهرت في جملة من الأعمال الفكرية المتميزة في طرحها ورؤيتها، ومنها على سبيل المثال لا الحصر: «أسس التقدم عند مفكري الإسلام» (2010،ط 4) «المحنة بحث في جدلية الديني والسياسي في الإسلام» (2000،ط2) و«خارج السرب، بحوث في النسوية الإسلامية الرافضة وإغراءات الحرية» (2010) وغيرها من الأعمال الفكرية والفلسفية التي جعلته علمًا من أعلام الفكر العربي المعاصر، المتميز بأسلوبه، ومنهجه، ونظرياته ورؤاه التي كشفت عن بعض جوانبها سيرته الفلسفية.

وإذا كان من غير الممكن الوقوف عند مختلف أبعاد هذه التحفة الفنية والأدبية، فإن بعضها يحضر بكثافة دالة، ومنها على وجه التحديد ما يمكن تسميته بتجلي الحياة الفلسفية المعتدلة. حقا إن السيرة بما هي نوع أدبي، هي الفضاء المناسب للكشف عن الحياة الذاتية والفردية، ولكن في حالة صاحب «طائر التم» فإن هذه الحياة لا تبدو مثلما نقرؤها في سيرِ بعض المفكرين والفلاسفة، وكأنها جزء من أجزاء حياة المؤلف، ولكنها تظهر وكأن الحياة نفسها مشكلة فلسفية

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.