Warning: count(): Parameter must be an array or an object that implements Countable in /home/almuraqebaliraqi/public_html/wp-includes/post-template.php on line 284

“السائرون في العتمة” رواية بطلها حذاء !

 المراقب العراقي/متابعة…

تقوم رواية صلاح الدين بوجاه «السائرون في العتمة» (دار زينب ـ تونس 2016) على فكرة طريفة هي سرقة حذاء يصحب الراوي من لحظة انطلاق الحدث السردي إلى خاتمته. وفيها كلّها يقترن الحذاء بالخوف.

يقول الراوي إنّ الخوف في هذا البلد «ليبيا» جغرافي وتاريخي «الخوف من الطليان أو الفرنسيّين أو الأتراك.. الناس في هذه البلدان يخافون كلّ شيء» ويصل الكاتب ببراعة بين الخوف والحذاء. فالكلاب في بعض البلدان الغربيّة مثلا تملك ملكة «تشمّم الأحذية العربيّة المحتفظة برائحة الجلد المدبوغ». وهي ليست إلاّ رائحة الخوف. وتستحوذ على الراوي وهو في ميدان الساعة في طرابلس، حيث دكاكين الذهب وباعة الحلي والفضّة، فكرة سرقة الحذاء الذي كان يراه: «لماذا لا أخطف الحذاء الصغير، أخفيه كما يحدث في بيتنا القديم أربّيه كما يربّى الحمام؟». ويسرق، وهو لا يعرف إن كان لرجل أو امرأة؛ ثمّ يستقرّ رأيه على أنّه حذاء أنثوي: «أنّى لي أن أرى صاحبة الحذاء الفستقي، وهي الغائبة دوما داخل بيتها؟». وشيئا فشئيا، يصبح الحذاء هو الشخصيّة المحوريّة، فيصحب الراوي في جولاته ورحلاته وهروبه «جولاتي على ساحل البحر، فقد غدت كلّها فستقيّة اللون، بعد أن كانت زرقاء». والفستقي يرمز على الأرجح إلى الفضاء، أو الأفق المفتوح، ونشدان الحريّة والوحدة.. مثلما يمكن أن يرمز إلى انتكاس أو تراجع أو بحث عن فسحة أو سعة في مكان طبيعيّ خاصّ، أو كتمان المشاعر والأحاسيس، أو حتى الأمل والرجاء، وفي هذا ما يعقد الآصرة بين اللون الفستقي والحذاء، والحذاء في المنظور الفرويدي رمز للجنس والقدم رمز للقضيب.. القدم التي تنزلق في الحذاء. وفي ذلك دلالة جنسيّة كنائيّة قد لا تخفى.

ولابدّ ها هنا من الإشارة إلى أنّ الراوي يستصفي الألوان الستة الرئيسية في الثقافة العربية وهي: الأحمر والأخضر والأصفر والأزرق والأبيض والأسود. ويضيف البنيّ والفستقي لون الحذاء، وهو الذي يصحبنا في الرواية كلّها. وأقدّر أنّه فعل ذلك حتى يحكم التناسب بين اللون وموضوع هذه الرواية المتميّزة حقّا، لغة وبنية، وهي بامتياز رواية «الربيع العربي» وأحداث طرابلس، التي عاشها الكاتب نفسه، حيث كان مديرا للمركز الثقافي التونسي في طرابلس؛ فلا غرابة إن أسندت الرواية إلى المتكلّم «أنا». وهو أشبه باسم لغير علم، يعقد صلة حميمة أشبه بوشيجة القربى بين المتكلّم وكلامه. يقول السارد أو الراوي: «كلّما طلعت (هكذا في الأصل، ولعلّ الأصوب: اطّلعت) إلى بيتي الطرابلسي، تراقصتْ أمامي صور الأهل وبلدي الحبيب». ويقول في السياق نفسه: «هذا الربيع العربي بلون الأفق، أزهاره يغلب عليها اللون الأحمر، اللون البنيّ لون الغباء يغلب على كلّ شيء… الغروب يلوّن الصباح مثلما يلوّن المساء».

ومن بين هذه الألوان يتميّز «لونان» هما الأبيض والأسود، كما يدلّ على ذلك عنوان الرواية «السائرون في العتمة» وقد تخيّره صلاح من نصّ للشاعر الفرنسي سان جون بيرس «اغسلن قلب الرجل، ميله إلى الرثاء وعزّة الحلم ومحفّات العرفان والسير في العتمة». لونان يتضايفان ويتكاملان لما ينطويان عليه من رمزية دينيّة ثقافية عميقة. فالأبيض ليس بلون أصلا، وإنما هو خلاصة الألوان كلّها.  

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.