Warning: count(): Parameter must be an array or an object that implements Countable in /home/almuraqebaliraqi/public_html/wp-includes/post-template.php on line 284

«هروب وردة» التنقيب بأسرار بغداد في زمن الحروب والحصار على الشعب العراقي

المراقب العراقي/ المحرر الثقافي…

يرى الناقد مروان ياسين ان رواية «هروب وردة» لمؤلفها ضياء الخالدي بمثابة تنقيب في أسرار مدينة بغداد في زمن الحصار على الشعب العراقي كون المؤلف عاش بعض فصولها التراجيدية.

وقال ياسين في قراءة نقدية خص بها (المراقب العراقي): في روايته الموسومة «هروب وردة… وقائع صيف 95» يواصل ضياء الخالدي التنقيب في أسرار مدينة بغداد التي عاش بعض فصولها التراجيدية. وأرى أن الخالدي نجح إلى حد كبير في نسج بنية سردية بتفاصيل يومية، وهو يستكشف عالما إنسانيا كان يعيش تحت حصار لا إنساني، عبر حبكة سردية انفلتت تقاناتها من قيود السرد الكلاسيكي، خاصة في تعامله مع الزمن.

واضاف : ان الخالدي تموضع خلف قناع الراوي العليم المحايد، ليمارس دور السارد، ولم يتخل عن هذه التقنية إلى نهاية أحداث روايته، والحضور المستتر للراوي العليم، بضمير الغائب وبصيغة الماضي، لم يستعن به إلا ليمارس دورا موضوعيا في تعرية الواقع خلال فترة الحصار الدولي(الامريكي)، الذي مرّ به العراق طيلة العقد التاسع من القرن الماضي، وكان حريصا على أن لا يبدو متورطا في التعبير عن وجهة نظره الذاتية، أو أن تبدو له صلة مباشرة بما يسرده الراوي العليم، عن حكاية وردة وبسام وبقية الشخصيات.

وتابع :تم تقنين الزمن السردي بوحدة فنية دائرية، عمد فيها الخالدي على تطويعه في حبكة تشتغل على لعبة متوالية، تتبادل فيها ثنائية الماضي والحاضر الأدوار والمواقع، ليخلق بذلك نمطا إيقاعيا يخرج السرد عن مبناه الخطي، فلجأ إلى إعادة ترتيب تسلسل الأحداث بما لا يتفق مع مسار منطقها الواقعي، فكانت نهاية الحكاية في عام 2007 هي فاتحة السرد وبدايته، ولينعطف بعدئذ بالزمن السردي بشكل حاد عائدا إلى البداية الواقعية لحكاية بسام ووردة في النصف الأول من تسعينيات القرن الماضي، وليعود في الختام إلى عام 2007 حيث بداية السرد. كان القصد من هذا المنحى في بنية الزمن السردي، الاشتغال الفني على ربط منطق الأحداث مع بعضها، وليس مسار الأحداث بحد ذاتها، وخلق إيقاع منفتح على أزمنة متداخلة ومتوالية في حركتها، حيث يبدأ في تحريك الزمن السردي في عام 2007 في مدينة سدني الأسترالية، عندما كان بسام علوان يهم بالدخول إلى مركز تسوق ضاحية هينشبروك، فينتبه إلى امرأة برفقة طفلين، الكبير في سن السابعة والآخر أصغر منه بعامين، وبعد أن تأمل ملامحها على بعد عشرين مترا، تأكد من أنها وردة الشطب، ومع أنها بدت وكأنها امرأة أخرى بكامل الأناقة والثقة بالنفس وبجسد ممتلئ،لكنه تأكد من أنها هي ذاتها الفتاة التي ساعدها على الهروب قبل أكثر من اثني عشر عاما، ومن هنا يرتد الزمن السردي إلى الوراء، لتبدأ حكايتها تتدفق في ذاكرته، مستعيدا عبر الراوي العليم سرد الأحداث من عام ، ثم يعود بنا الزمن السردي في ختام الرواية إلى الحدث الأول، الذي افتتحت به عام 2007 في أستراليا.

وبين :وجاء انفتاح الزمن السردي على هذه الصورة التي تخلى فيها خطاب المؤلف عن شرط خضوع السرد لمسار كرونولوجي (متدرج) وبدلا عن ذلك امتثل لبنية زمنية استرجاعية، ليكشف من خلالها عن خفايا العلاقة التي جمعت بين الشخصيات المحورية.

واستطرد:ليست وردة من تهيمن ولوحدها على مسار الأحداث، إذ يتشاطر معها بسام علوان، الشاب الذي تسرَّح حديثا من الجيش، والذي يلتقي معها في تمرده على سلطة شقيقه الأكبر (يحيى) الذي يعمل في الجهاز الأمني للنظام الحاكم، فيرفض كل الضغوط التي يمارسها عليه بقصد أن ينخرط معه في الماكنة الأمنية، ويقرر النأي بنفسه بعيدا عما رسمته العائلة من قناعات تكرس سلطة الماضي، وبدل أن يقتفي الطريق الذي سلكه شقيقه، آثر الانصياع لحريته الذاتية، منخرطا في مهنة بيع الكتب المستعملة على الرصيف في شارع المتنبي، وبهذا الخيار يكون شقيقه قد فشل في أن يسحبه إلى عالمه المضرج بضحايا أبرياء يتم اعتقالهم نزولا عند رغبة مرؤوسيه، وهنا يتكامل فعل التمرد بين بسام ووردة، وما بينهما يقف صديقاه حازم نزاكة وعلوش جقمقجي اللذان يعملان في تصليح المقادح الغازية في شارع المتنبي، فالاثنان يتأرجحان في زمن تحكمه سلطة شديدة القسوة على الضعفاء، ويلعب القدر دوره مع حازم ليتشيأ تكوينه الخلقي ما بين الأنوثة والذكورة، ولا يجد خلاصا من تبعات هذه الصدفة القدرية، إلا بعد أن يتخلى هو الآخر عن انتمائه العائلي ليعيش حريته الفردية بعيدا عن سلطة الأب.

ولفت الى ان إشكالية الشخصيات المحورية حيث أنها جميعا كانت عالقة في نقطة تائهة، كما لو أنها تسير على رمال متحركة، لكن خاصيتها أنها تملك ما يكفي من الدوافع الإنسانية لكي تمارس دورا فاعلا يمنح الآخرين مساحة من الحب والأمل، مثلما فعل الثلاثة مع وردة (بسام وحازم وعلوش) عندما قرروا احتواءها في شقة حازم وتقديم المساعدة لها، لتكون في مأمن من عقاب زوجها، الذي كان يلاحقها غسلا للعار، ويأتي موقفهم تعبيرا عما يشعرون به من رفض وتمرد على واقع لم ينصفهم، وأطاح بهم على رصيف الحياة وتستثنى من أزمة الاغتراب التي تعيشها شخصيات الرواية، الرسامة حورية التي تولت مسؤولية تهريب وردة إلى الأردن، التي رفضت أن تغادر العراق والالتحاق باولادها الذين اختاروا العيش في الغرب، مفضلة البقاء لوحدها في بيتها، والاستمرار في العمل والإنتاج.

واوضح : ان شخصية بسام في تكوينها مرتبطة بالعالم الواقعي بعلاقة وثيقة، ربما تبدو إشارة إلى جيل من الشباب تم توريطهم بحروب أفقدتهم مشاعر الانتماء، بعد أن تحولوا إلى أداة عبثية للموت، ومن هنا اختار التمرد على طريقته الخاصة، بالخروج عن منظومة الدولة ومؤسساتها، والعمل بعيدا عنها وعن سلطة الآخرين، خاصة بعد أن فتحت الكتب أمامه آفاق المعرفة، وعرف معنى أن يكون الإنسان حرا في بيئة تحتقر الحرية وتقمعها، ولهذا لم يتردد في أن يغامر بحياته حتى ينقذ وردة، من غير أن يكون له دوافع نفعية، وكل ما كان يسعى إليه أن يتطهر من أعباء الزمن الذي وجد نفسه فيه، ومن شعور حاد بالندم دائما ما كان يلازمه لأنه تسبب بدون قصد بموت أحد الجنود أثناء خروج الجيش من الكويت، وجاءت شخصية بسام بدلالتها لتلمِّح إلى ما حصل من تحول في الوعي لدى الأجيال، التي سيقت إلى الحروب، وخرجت منها ناجية بفعل الصدفة، فما كان منها إلاّ أن تنقلب على النظام المجتمعي برمته، وليس على السلطة الصدامية فحسب.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.