العراقيون يستلهمون شجاعة “أسد بغداد” في مقارعة الإرهاب والاستبداد

أكفٌّ تلطم الصدور وأخرى تحمي "النحور"

المراقب العراقي/ المحرر السياسي…
على جانب طريق يعجُّ بآلاف الزائرين الوافدين على “أسد بغداد”، من مدن عراقية مختلفة، يُمسك حسين الوائلي بإحدى يديه علبة من الورق المقوى، ويُخرج بيده الأخرى قناني المياه ليسد بها ضمأ الزائرين، فيما يقف على مقربة منه شخص آخر يلوح نحو موكبه، الذي أنشأه قبل أيام كمحطّة استراحة للمشاة.
ويحثّ ملايين الزائرين الخطى سنوياً، نحو قباب الرحاب القدسية، لإحياء زيارة ذكرى استشهاد الإمام موسى بن جعفر الكاظم (عليه السلام)، إلا أن هذ العام شهد مظاهر نادرة، نتيجة الالتزام الوقائي الناتج عن تفشي فيروس كورونا في العراق والعالم.
يقول حسين الوائلي (33 عاماً) لمراسل “المراقب العراقي”، وهو يُنزل كماماته جزئياً أسفل وجنتيه، مستخدماً لهجته العامية الدارجة: “إحنه (نحن) خدّام الإمام الكاظم، وكل سنة نخلي (نضع) موكبنا هنا، لخدمة زوار الإمام”.
ويرى الوائلي أن جائحة كورونا لم تؤثر على عقائد العراقيين، ولم تمنع الآلاف منهم من القدوم نحو مرقد الإمام الكاظم (عليه السلام)، سيراً على الأقدام من مسافات بعيدة، “تعبيراً عن الولاء لآل بيت النبوة”.
وفيما يتعلّق بالإجراءات الوقائية، يقول الوائلي إنه شاهد التزاماً عالياً من قبل الزائرين، لاسيما بارتداء الكمامات وحمل المعقمات والكحول، في حين أن العديد من مواكب خدمة الزائرين التي رآها خلال تواجده في منطقة شارع فلسطين، حيث يقع موكبه، باتت توفّر مستلزمات الوقاية للحيلولة دون تسجيل إصابات جديدة بالفيروس التاجي.
وينحدر حسين الوائلي من عائلة انخرط معظم أفرادها في أكبر حركة تطوع شهدها التأريخ الحديث، عندما هبّت حشود مليونية للتطوع إلى جانب فصائل المقاومة الإسلامية، للانخراط في تشكيل أطلق عليه لاحقاً اسم “الحشد الشعبي”، تلبية لفتوى “الجهاد الكفائي” التي أطلقها المرجع الديني الأعلى آية الله السيد علي السيستاني في حزيران 2014.
وفي هذه الأثناء، يعتلي عباس الوائلي (24 عاماً)، وهو الشقيق الأصغر لحسين، ساتراً ترابياً أنشئ مؤخراً خلال العمليات العسكرية التي شهدها قضاء الطارمية، الواقع شمال العاصمة بغداد، لمكافحة “آفة” عشعشت هناك منذ أعوام طويلة، وحظيت “برعاية محلية”، قدمها سكّان يؤمنون بالفكر التكفيري، حتى باتت اليوم تهدد بغداد وثلاث محافظات عراقية مُطلّة على القضاء، بإرهاب ممنهج قد يعيد سيناريو التفجيرات والهجمات الدامية، إذا ما تم استئصال “الورم الخبيث” من جسد الطارمية.
وعلى مدى الأعوام الماضية ظلّت محافظات صلاح الدين وديالى والأنبار المتاخمة للطارمية، فضلاً عن بغداد التي يقع القضاء في خاصرتها الشمالية، تعاني من وضع أمني غير مستتب جراء التنظيمات الإرهابية، التي تنشط في المناطق الرخوة أمنياً، ولعل الطارمية إحدى أبرز تلك المناطق.
ويعد الطارمية أحد الأقضية الستة التي تحيط بالعاصمة، وتسمى بحزام بغداد، وتكمن أهميته في ربطه أربع محافظات عراقية هي بغداد وصلاح الدين وديالى والأنبار، ويتألّف هذا القضاء من ثلاث نواحي هي مركز القضاء وناحية المشاهدة وناحية العبايجي وتبلغ مساحته حوالي 192411 دونماً.
ويقول حسين الوائلي إن شقيقه عباس ما يزال يرابط في ساحات المعارك رغم تعرضه لإصابة غادرة قبل عامين، إلا أنه عاود الالتحاق برفاقه في الحشد الشعبي، لإيمانه بضرورة القضاء على ما وصفه بـ”الإرهاب الصهيو-أميركي الممول من دول الخليج”.
وتشكلت قوات الحشد الشعبي منتصف حزيران 2014، في أعقاب سقوط محافظة نينوى على يد تنظيم “داعش”، ومن ثم باشرت الحكومة تأطيرها في إطارٍ رسمي يُضفي عليها الصفة المؤسسية، بإعلان تأسيس “مديرية الحشد الشعبي” لتطويع القادرين على حمل السلاح من جميع المحافظات العراقية، ومن ثم فإن الحشد يمارس نشاطاته بشكل رسمي كأي مؤسسة من مؤسسات الدولة العراقية التي يحميها القانون خلال أداء الواجبات القتالية.
من جانبه يرى المختص بالشأن الأمني وائل الركابي لـ”المراقب العراقي”، أن “المبادئ السامية التي يتبناها أبناء الحشد الشعبي وفصائل المقاومة الإسلامية، انطلاقاً من فتوى الجهاد الكفائي للمرجع الأعلى السيد علي السيستاني، جعلت عمل الحشد لا يقتصر على حماية العراق والذود عن أبنائه، بل نجدهم في ميادين مختلفة”.
ويضيف الركابي: “قبل عامين عندما حدثت السيول والفيضانات في وسط وجنوب البلاد، اتجه مقاتلو الحشد للمساهمة في درء المخاطر ومساعدة الأهالي”، مستدركاً بالقول: “نجدهم أيضاً يتواجدون عندما تكون هناك زيارات للمراقد المقدسة، كالزيارة الأربعينية وعاشوراء، واليوم نحن نعيش ذكرى استشهاد الإمام موسى بن جعفر سلام الله عليه”.

ويعتبر الركابي أن “هذا الإيثار منطلق من إيمانهم بمبادئ مذهب آل البيت عليهم السلام، الذين كانوا دائما يتواجدون في مختلف الميادين”، مؤكداً أن “”هذا هو المنطق الحقيقي الذي نستطيع القول عنه إنه نتاج لمراجعنا العظام”.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.