ثَمَّةَ إلهٌ اسمُهُ الوطن..!

بقلم / قاسم العجرش …
في المفهوم الدلالي الشائع لمفردتي الدولة والوطن، أن الحدود الفاصلة بينهما مفاهيميا؛ تبدو متداخلة إلى حد بعيد، بل ويصعب التفريق بينهما لدى جمهرة كبيرة من المثقفين، فما بالك بالمنخرطين بالحقل السياسي، الذين يعدون الدولة هي الوطن والوطن هو الدولة..
على صعيد عامة الشعب، وخصوصا في مجتمعاتنا الشرقية، التي تعتقد أن الحكومة “والد” يجب طاعته، فإن الوطن يعني الحكومة، بيد أن الأمر يكون له منظور آخر لدى الشعوب العربية، التي ما عرفت منذ فجر الخليقة لغاية الساعة، وربما إلى قيام الساعة، غير الحكام المستبدين، فإن الوطن لديها هو الحاكم المستبد..وإذا قال صدام قال العراق..!
في الجذر اللُغوي لمفردتي الوطن والدولة، أن الدولة من الفعل دَالَ، وهو للانتقال والتداول، الدولة للغلبة كما أن الأيام دُول، توحي بالتغيير والحركة والتبدل، فيما الوطن من الفعل وَطَنَ وَطَّنَ: طبَّعه ألّفه على بيئة جديدة، وطَّن نفسَه على الأمر،أي وطَّن نفسَه للأمر وحَمَلها عليه وهيَّأها لفعله، ووطَّن الشَّخصُ بالبلد؛ أي اتّخذه مَحلاًّ وسكنًا يُقيم فيه، وهكذا فإن الدولة والوطن ضدان بالمفهوم، الوطن ثابت والدولة متغير، وإن توحد المدلول أحياناً..الوطن شيء والدولة شيء آخر تماما.
قبل الحرب العالمية الأولى؛ التي اشتعلت وانتهت في بداية القرن الماضي، كانت معاني وخرائط “الدول” غير تلك التي نعرفها اليوم، ويرجع ذلك إلى الطريقة العشوائية، التي أعيد بها رسم الحدود بين الدول بعد الحرب، وإلى الكيفية التي قسمت بها القوى الاستعمارية بعض المناطق، قبل انسحابها من آسيا وإفريقيا.
آنذاك، وفي أرض اسمها العراق، لم تكن ثمة “دولة عراقية”، ولم يكن للدولة هذا المفهوم والمعنى والجسم المتعارف عليه، وكان الشرطي أو الجندرمة هو الدولة، إذ كنا جزءًا من الإمبراطورية العثمانية لخمسة قرون، وكنا “نرطن” باللغة التركية، ولحد الآن أن أكثر من ثلثي الشعب العراقي، يحملون وثائق جنسية تثبت أن “رعوية” آبائهم للدولة العثمانية، وما تزال مؤسسات دولة العراق الحالية، تعامل من لا يمتلكون مثل الوثائق، على أنهم ليسوا عراقيين أقحاح، مع أن الذي تبدل هو الدولة، فيما الوطن لم يتحرك ولن يتحرك من مكانه أبدا!
لكي تتم صياغة توفيقية لما يخدم الدولة، جرى دمج مفردتي الدولة والوطن بطريقة تلفيقية، تحت مسمى الدولة الوطنية، أو “الوطن” بمفهومه الجديد، الوطن تحول إلى “إله” معبود، يخدم الأنظمة الاستبدادية، وأخذت الشعوب تردد”نموت ويحيا الوطن”، والمقصود بالحقيقة “نموت ويحيا الحاكم”، الذي يعلن نفسه حاكما باسم الله والشعب والتأريخ، ثم لا يرضى من المواطنين بأقل من الولاء المطلق، والتأييد التام، والهتاف الدائم باسمه، بعد أن يحيط نفسه بكل مظاهر الجبروت والطغيان..
يستفرد المستبد الحاكم، الذي بات هو الدولة وهو الوطن، بكل أدوات الدولة ومقدرات الوطن، ومن أجل ديمومة طغيانه وجبروته، حوربت العقائد والأديان، وتشكلت فكرة العلمانية..وما لقيصر لقيصر، وما لله لله، وأعادوا الله بقوة العسكر، وجحافل الرفاق ورجال الأمن، إلى المسجد وحجروه بين الباب والمحراب، وظهر دين جديد اسمه الوطن، الذي ذاب بالدولة أو ذابت فيه، لا فرق..!
من أجل الوطن ـ الدولة، أو الدولة ـ الوطن، تسلب الحريات، فالحرية للدولة التي لا يعلو عليها شيء، حتى الخالق جل في علاه، وشُنت على العقائد حروب التشويه والتقبيح، لأن الدولة ـ الوطن؛ لا تريد أن ترى طاعة لغيرها حتى لله تبارك وتعالى، ومن يخرج عن طاعة الحاكم، أو يعارض توجهاته، فإنه يكون قد خرج عن طاعة الله، لأن الحاكم هو الدولة وهو الوطن الإله..!
في “الدولة الإله” وتحت مسمى “حب الوطن”، علينا أن نقبل العفن السياسي، ونتعايش مع الفشل الاقتصادي، وتردي الخدمات وفقدان الأمن، وسوء الإدارة، ونصفق بحرارة للفساد والفاسدين ونحترمهم ونبجلهم..تاج تاج على الراس..
ثم تتم برمجة العقول، على أن كل هذا الوسخ هو الوطن، وأن حب الدولة والحاكم من حب الوطن، وبالتالي يكون المساس بالحاكم والحديث عنه نوعا من “التعريض” بالوطن!
كلام قبل السلام: الوطن مقدس، لأنه طاهر وحلو، جميل، مشرق، وضاء، مثل ما هو؛ ركام وبيوت مهدمة وخرائب وعشوائيات وجوع وفقر، ووساخة وفوضى وفشل، وكل مظاهر التعاسة والسوء..لأنه بات إِلهاً..!
سلام

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.