أم الجامعات تستغيث

كتب / عمار طاهر..
أتيح لي زيارة العديد من البلدان العربية والأجنبية، وفي كل مرة كنت حريصا على زيارة جامعات تلك الدول، والتجول في أروقتها، والاطلاع على مساقاتها العلمية، وسياقاتها الإدارية، مثلما أحرص على زيارة متاحفها ومعالمها الآثارية، ربما بدافع المعرفة، أو بحكم التخصص، ثم أطلق لمخيلتي العنان، وأقارن بين تلك الشواهق العلمية.. وجامعة بغداد.
فالمدن تفتخر بمؤسساتها الأكاديمية، بل إن بعض الجامعات أضحت عنوانا عريضا، ومَعْلَما شهيرا لمدن نائية، أو ضواحٍ منسية هجرها التأريخ، فأبقاها العلم على قيد الجغرافية، وجعلها مقصدا لطلبة يشدون إليها الرحال من بقاع الدنيا كلها، وقد تحولت هذه الجامعات بحد ذاتها إلى مدن، وراء أسوارها تجد أي شيء.. وكل شيء.
بغداد زهرة المدائن تفتخر أيضا بجامعتها العريقة فقد تأسست قبل إنشاء وزارة التعليم العالي نفسها.. كانت ولا تزال منارة للعلم، فقوسها الأشبه بالهلال جعله المصمم الألماني الشهير والتر كروبيس مفتوحا، حيث يمتد أفق المعرفة ليعانق الفضاء، في فلسفة معمارية تبشر بالخلود والأزل، فهي مركز إشعاع دائم، وحرم أمن، لذا حاميها الملك كما جاء في ديباجة تشريعها الأول.
أم الجامعات لم تهرم ولم تَشِخْ، من يراها يحسبها شابة جميلة في الخامسة والستين، بدليل منجزها العلمي المتواصل على مدار الأعوام، إذ تمتلك 218 براءة اختراع، وقدمت 1083 مؤلفا في شتى مجالات المعرفة، وأنتجت 7258 بحثا في المستوعبات العالمية المعروفة، لذا تعتلي الترتيب المحلي دائما في جميع التصنيفات العالمية.
جامعة بغداد اليوم محاصرة.. تختنق رويدا رويدا رغم كثرة المناشدات، وتعالي النداءات، إذ تشهد يوميا دخول ومغادرة 45 ألف شخص بين طالب وأستاذ وموظف عبر منافذ محدودة جدا، لا تتسع إلى عشر هذا العدد الهائل، ما يجعل نهارها جحيما سواء على مرتاديها، أو العابرين من الناس، في تراجيديا يومية بلا نهاية، مع أن بعض الحلول متاحة، ولكن الإرادة غائبة للأسف.
إنشاء جسر للمشاة، أو توسيع استدارة، أو رفع جزرة وسطية، أو فتح طريق مغلق بقرار من جهة سياسية نافذة، أو تخصيص بوابات جديدة، حلول بسيطة، لا تتطلب اجتراح معجزات، أو اتخاذ قرارات صعبة، بل إنها تجعل الجامعة تتنفس هواءً نقيا، لا أبخرة طوابير السيارات، وهي تحاول عبثا اجتياز أمتار قليلة، فتمكث ساعات طويلة.
من المتوقع أن يكون نداء اليوم بلا صدى أيضا، وكأننا نكلمهم.. وكأنهم لا يسمعون، فهموم الناس وعذاباتهم ليست أولوية بالوقت الراهن.. ننتظر ونترقب.. لعل ضميرا هاجعا يدرك ذات يقظة أن هذه الجامعة التي خرج من معطفها مئات العلماء والباحثين والأدباء كالسياب والوردي تستحق أن تكون بعراقتها ومكانتها وحجمها علامة فارقة في العاصمة، فينقذها من هذه المعاناة الدائمة، والوجع المزمن.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.