“غرفة المسافرين” عندما يغير الموت إيقاع الحياة

المراقب العراقي/متابعة…
يستهل الكاتب والروائي المصري عزت القمحاوي كتابه الماتع “غرفة المسافرين”، باستحضار شيوخ قريته، الذين اعتاد رؤيتهم ملازمين لنفس المكان؛ تقتصر حركتهم اليومية على بضع خطوات محفوظة، يمشيها المبصر والأعمى على حد سواء، بأمان ورويّة، يخرجون من دورهم ليجلسوا أمام المسجد. ومع كل نداء للصلاة يدخلون لأداء الفرض، ثم يعودون إلى جلستهم صامتين معظم الوقت، ينتقلون مع الظل إلى أن يحين أذان الصلاة التالية، ولا يتغير روتين هذا الإيقاع اليومي إلا عندما يسحب منهم الموت أحدهم، فيمشون في جنازته دون أسى، ويعودون إلى جلستهم، التي سرعان ما ينضم إليها شخص جديد، اكتشف أنه صار مسنا، لأنه لم يعد قادرا على مواصلة العمل الزراعي الشاق.
ويشير القمحاوي إلى أنه قد يسافر أحدهم إلى المدينة القريبة، في مناسبات محدودة، لتسجيل قطعة أرض جديدة، أو مصاحبة مريض، ولأنهم أميّون، فهم لم يجربوا متعة السفر في كتاب. ويفكر فيهم صاحب “السماء على نحو وشيك” بعطف، ويخشى أن يكون مصيره مثلهم، ويتساءل: “ما معنى الثمانين عاما التي يعيشها إنسان في مكان واحد، تمضي فيه وقائع أيامه بتطابق مطلق بين اليوم والذي يليه؟”. ويعتبر القمحاوي من لا يغير مكانه، لن يعرف في حياته إلا القليل الذي يمكن أن يدهشه مهما طالت، ولن تكون حياته مصدر دهشة لأحد إلا إذا قام بانقلاب جنوني، كأن يرتكب جريمة شنعاء أو أن يكون ضحية لجريمة.
ويؤكد صاحب “غرفة ترى النيل” أنه من الصعب على من لا يسافر أن يغير الصورة المرسومة له سلفا، “لذلك كان لا بد لكل نبي من هجرة. البعيد منبع الحكمة وموطن الغرابة”، ومن يعجز عن السفر في المكان، يرتحل في الزمان إلى سالف العصر، كما في الحكايات الشعبية، أو إلى المستقبل كما في روايات الخيال العلمي، ويتساءل الكاتب بصوت عال: “ماذا يمكن أن يتبقى من “ألف ليلة وليلة” إذا حذفنا السفر من متنها؟”.
ويعتبر عزت القمحاوي أن شهريار كان محظوظا بامرأة ذكية، سافرت به في حكاياتها ليلة بعد ليلة؛ حيث استبدلت عذرية الأماكن بعذرية البنات، وبعد ثلاث سنوات من الترحال في الحكايات، كانت قد دجنته، وأنجبت منه ثلاثة أولاد، ولم يعد يستغني عنها، فقرر الزواج منها.
هكذا أنقذت شهرزاد بسفرها في الحكايات رجلين لا رجلا واحدا من شهوة الدم، حيث تنازل شاه زمان عن ملكه، مفضلا عليه البقاء مع عروسه لدى شقيقه. ويخلص عزت، بكل اطمئنان، إلى أن “ألف ليلة…” كتاب في السفر، من دون الرحلة يسقط العجائبي، العمود الفقري لليالي. لهذا انحاز السرد فيها إلى الارتحال الدائم.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.