“الجبان” رواية ذات متن شبه بوليسي عن أحداث من عمق الواقع العراقي المعاش

المراقب العراقي/المحرر الثقافي…
يرى الناقد نبيل جميل ان رواية الجبان لمؤلفها الروائي ياسين شامل رواية ذات متن حكائي أشبه بالبوليسي عن أحداث من عمق الواقع العراقي المعاش ، مبينا ان المؤلف يصرّ على محاكاة الشعور الداخلي لبطلها.
وقال جميل في قراءة نقدية خص بها (المراقب العراقي): ان بؤرة اهتمام الروائي (ياسين شامل) انصبّت تجاه اليومي المعاش، وبصورة مباشرة نجده يصرّ على محاكاة الشعور الداخلي للبطل “منصور”، وما ينعكس عليه اجتماعياً، فالبيئة والسلوك وفترة الصبا والشباب، كل هذه يؤطرها ضمن نظام تتابعي لحياته، يختزلها بطريقة تعامله مع الآخرين؛ بعد التخرج من الجامعة يمرّ بفترة طويلة للبحث عن عمل، حالة من البطالة مثل الآلاف من شباب العراق، فيضطر للعمل في شركة ابن عمه ” ك”. رغم نصيحة أمّه بعدم العمل معه.
وأضاف : ان هذا الكشف يأتي للقارئ تلقائياً في رسم شخصية منصور ( لست ممن يدّعون المراجل، انما كنت مسالماً/ كان اعتقادي أنني رجل حر، مبتعداً عن قيود الحياة المجحفة. هكذا أرى نفسي، وأرى الناس من حولي طيبين ). كمهيمن عام أراد (شامل) ان يظهر “منصور” بطلاً من خلال حسن الخلق والتواضع ومساعدة الآخرين، على الرغم من قساوة الواقع الذي يعيشه. وهذه الصفات حدّدها للبطل “منصور” وركّز عليها، وبيّنها بتلقائية اندماجه العام في المجتمع، وفق معاييره وضمن مخيلته ( يمكن للراوي ان يكتفي بالإشارة الى سيرورة تحسين من دون أن يلخص أطوارها صراحة. فإذا ذكر ببساطة ان البطل حل مشكلاته، أو بأنه اصبح معافى، أو طيباً أو وسيماً، أو غبياً، فإن هذه التخصيصات التي تتناول مضامين التطور من دون أن تحدد كيفية حدوثه لا تساعدنا على تحديد خصائص بنيته).
وتابع: من خلال سير الأحداث تتبلور وتتضح أكثر شخصية منصور وكلما توغلنا ندرك ان عفويته قد ورطته في شبكة من الأشرار ” ك وأخته ن، فتحي رشيد، أم سمر، ضابط مركز الشرطة،،” وغيرهم من المتحكمين بواقع ما بعد 2003. والخصائص التي تميّز بها كالهدوء وسمة الأخلاق الرفيعة وعدم الحكم على الآخرين، لم تنفعه بقدر ما أضرّته وسط عالم الذئاب البشرية.
وأشار الى ان الحدث الرئيس مقتل “سمر” مع الأحداث الفرعية الأخرى ساهم بمتن حكائي أشبه بالبوليسي، لكن (شامل) اشتغل على ضفتين “الخير، الشر” وهما الطاغيتان على الواقع عراقياً، لذا جاء استثماره للمكان المحلي ناجحاً لإيصال الصورة بعمق والذي نفتقده في بعض السرديات، لا سيما ان تعلقت الأحداث بالمكان، وأحياناً تؤخذ مثل هكذا سرود كمرجعيات تاريخية اذا تضمنت الثيمة حدثاً يشابه ما حصل في زمن الرواية، وممكن ان نقول عكسْ احداث التاريخ على الرواية وليس تدوينه حرفياً، أزمات وملابسات أثّرت على الواقع، وهذا ما اشتغل عليه (شامل) المكان المحلي، المجتمع بكافة طبقاته. فنجد علاقات بقصد اخلاقي، انتهازي، انتقام، وبهذا جعل الواقعية صفة عامة على روايته، بانطباع مراقب مباشر جعل للمكان قيمة عليا، والهدف هو خلق انطباع كلّي لمجمل الحدث، وبتنظيم متقن قدّمه للقارئ من الداخل حيث يعيش الحدث ويشارك في حل لغز اغتيال “سمر” ومن الخارج في ضوء ما برز من صفقات الفساد في فندق بابل وغيرها من شبهات ومكائد واغتيالات،،.
وأستطرد :شكّل البطل بؤرة الصراع المركزية “فاعل” والشخصيات الأخرى تنتمي لوحدة هذا الفاعل وبمستويات تختلف وحسب وظيفة كل شخصية، مع مراعاة إبعاد ظلال السيرة الشخصية للمؤلف قدر الامكان، نعم نجد هناك ثمة تآلفات تتداخل لدى العديد من الكتّاب، خاصة عند استخدام ضمير المتكلم (الأنا)، من وجهة نظري أرى انها خدمة معكوسة لمن يدرس سيرة المؤلف، مثلما فعل نجيب محفوظ عندما سُئِل لماذا لا تكتب سيرتك ؟ فأجاب ان سيرتي موجودة في أعمالي الروائية وتحتاج لعين حاذقة لتكتشف ملامحها.
ولفت الى ان التأكيد على صناعة بطل ليست بالمهمة السهلة. فعملية تحديد دور معين له ربما تؤدي للإحباط اذا جاءت بنحو غير مقنع للمؤلف، خاصة اذا لم يحقق البطل هدفه، ويتحول الى ندٍّ قوي، وهذا يزيد الأمر سوءاً اثناء عملية السرد، فما خطط له المؤلف قبل الشروع بالكتابة نراه يتشظى بفعل تطور الأحداث، التي انتجت حكايات فرعية منعت المؤلف من السيطرة على البطل، وهنا تأخذ الرواية منحى آخر وربما اضطر الى الاستعانة بشخصية أخرى يصنعها اثناء الكتابة للعودة الى مسار ما وَضَعهُ من تأثيث لروايته، كي يستعيد بطله من الهروب وعدم الصمود وتحمل المسؤولية التي انيطت به، فيضطر الى اعطائه مساحة أوسع وامتيازات لجلبه ثانية الى مقدمة الصورة، يعيد اليه هيبته وسيرته الحسنة أو الشريرة وحسب نوع الثيمة. وعندها يشعر بأن الوضع العام لما أراده عاد الى الأفضل، فيشعر براحة لإنجاز مهمته، لحظتها يقدم الشكر لمن سانده من الشخصيات الأخرى، بوضعها في خانة الخير وابعادها عن الاشرار كما حصل مع “احمد مظفر”، ( هكذا كان آخر لقاء لي مع “أحمد مظفر” لم يعد بالنسبة لي “شايلوك” بل تحول إلى “انطونيو” ). ( وتغدو كل خدمة من وجهة نظره عملاً طيباً يستحق المكافأة، وكل أذى عملاً شريراً يستوجب العقاب. )2.
واستدرك :لكن هل تمكن (شامل) من هذا وأنقذ بطله منصور ؟. على القارئ الذكي ان يكتشف ذلك من خلال سير الأحداث، وربما وضع خاتمة تختلف عن ما وصل اليه المؤلف، فالقارئ مشارك ووجه آخر للنص.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.