الصراعات  الإماراتيّة – السعوديّة.. صراع مرحلة ما بعد النفط

 

بقلم/محمود البازي..

 

قبل العام 2011، كان يُنظر إلى الإمارات على أنَّها حليف صغير تحت العباءة السعودية

شكّلت زيارة ولي عهد الإمارات محمد بن زايد للسعودية مادة إعلاميّة دسمة للمحللين والمعلقين السياسيين في كلا البلدين، للحديث عن أزمة الخلافات الإماراتية – السعودية، والإشارة إلى أنَّ هذه الأزمة (أو الاختلاف في وجهات النظر، كما يسميها المحلّل السياسي الإماراتي ماجد الرئيسي) تمّ حلها، وأن التحالف الاستراتيجي بين البلدين لا يزال قائماً.

ولكنَّ الواقع يقول العكس تماماً، فتعليقات المحلّلين تعتبر صحيحة نسبياً على المدى القصير، لأنَّ المنافسة الاقتصادية والجيوسياسية بين البلدين لم تأخذ بعد شكلها الجدي، إذ إنَّ بعض المصالح المشتركة والمتضاربة في بعض الأحيان تحتاج إلى تفاهمات ثنائية لإدارتها، ولكن كلا الطرفين يدرك تماماً أن المعادلة هي معادلة صفرية بامتياز، فما تكسبه السعودية في المجال الاقتصادي ومجال السياسات الخارجية ستخسره الإمارات، والعكس صحيح، لأن الدولتين ستصطدمان بواقع ضرورة تنويع الاقتصاد وتغليب المصالح القومية على التحالفات الإقليمية. هذه المعادلة ستقود بالطبع، ومن دون شك، إلى تصدّع حقيقي وواقعي في التحالف بين الدولتين على المدى المتوسط والطويل.

قبل العام 2011، كان يُنظر إلى الإمارات على أنَّها حليف صغير تحت العباءة السعودية، إلا أنَّ أحداث “الربيع العربي” جعلتها تظهر كلاعب إقليمي مهم له سياساته الخارجية والأمنية الخاصة، والتي قد تتضارب مع المصالح السعودية في بعض الأحيان.

أثناء ذلك، ومع تسلّم محمد بن سلمان ولاية ولاية العهد في السعودية في العام 2015، استطاع محمد بن زايد، بحكم باعه الطويل في أروقة السياسة، أن يقنع ولي العهد السعودي بانتهاج سياسات جديدة تتوافق مع المصالح الإماراتية في المنطقة. وعليه، تحرّك الأول في اتجاه محاربة “الإسلام السياسي” في السعودية وخارجها والانخراط في حرب اليمن وليبيا ومحاصرة قطر.

تسبّب خوض محمد بن سلمان هذه المغامرات الخارجية المكلفة بتعطيل مشاريع التنمية والهيمنة الاقتصادية التي روّج لها، والمتمثلة بـ”رؤية 2030″ واقتصاد متنوّع لا يعتمد على النفط. ومما أظهر ضرورة الخروج من هذه المغامرات هو انتشار جائحة كورونا، وانخفاض أسعار النفط إلى مستويات قياسية غير مسبوقة، وتوقع فقدان النفط أهميته الاستراتيجية خلال السنوات العشر القادمة، وتحرّك دول الاتحاد الأوروبي في هذا المسار، من خلال اتخاذ قرار بمنع بيع وتداول السيارات التي تعمل بالوقود بحلول العام 2033.

كلّ ما سبق قوله دفع ولي العهد السعودي إلى إعادة التفكير في السياسات الاقتصادية والدبلوماسية التي انتهجتها السعودية منذ العام 2015 إلى اليوم. وكان على رأس هذه السياسات هو تحالف المصالح القائم مع الإمارات. هذا التحالف بدأ بالتصدع منذ الانسحاب الإماراتي “الأحادي الجانب” من اليمن، إذ سحبت الإمارات قواتها من اليمن في العام 2019، وعملت بعد ذلك على تقوية المجلس الانتقالي في جنوب اليمن ودعمه.

شكّل هذا الانسحاب بداية لتمايز المصالح بين الحليفين التقليديين، إذ بدأت الإمارات بتحقيق مصالحها بشكل فردي، من خلال السيطرة على موانئ البحر الأحمر وجزيرة سقطرى. يأتي هذا المخطّط ضمن رؤية إماراتية بتحويل الإمارات إلى مركز تبادل تجاري عالمي، من خلال بناء أكثر من 82 ميناء في أكثر من 40 دولة حول العالم.

في هذه الأثناء، لم تنَل السعودية من حربها في اليمن إلا هجمات صاروخية تستهدف البنى التحتية السعودية وعصب الاقتصاد السعودي المتمثل في آبار النفط ومصافيه من جهة، وتمرّد المجلس الانتقالي وسيطرته على عدن عدة مرّات وتحركاته ومواجهاته ضد حكومة هادي المدعومة سعودياً ورفض تنفيذ اتفاق الرياض بين حكومة هادي والمجلس الانتقالي.

بعيداً من اليمن، أدرك ولي العهد السعودي أن الأزمات المجانية مع القوى الإقليمية لا تحقّق أيّ مصالح استراتيجية للسعودية. وعليه، المملكة السعودية بعيداً عن خط السياسة الإماراتية، وأنهت الحصار على قطر، وذلك بتوقيع اتفاق “العُلا”. كما اتّجهت إلى تحسين العلاقات بينها وبين تركيا وإيران، وأعطت الضّوء الأخضر لتقارب مصري مع كل من تركيا وإيران. وقد أتت كل هذه التحركات ضمن سياسة “صفر مشاكل مع الدول الإقليمية” قبل تولي ولي العهد مقاليد الحكم في السعودية بشكل نهائي.

ومن منظور الارتباط الذي لا ينفك بين الاقتصاد والسياسة، وتمهيداً لمرحلة ما بعد النفط، أدت ضرورة تنويع الاقتصاد في السعودية والإمارات إلى أن تطفو المنافسة الاقتصادية بين البلدين على السطح. بدأت هذه المنافسة من خلال اتخاذ السعودية قرارها بوقف التعامل مع الشركات الأجنبية التي لا تتخذ المملكة مقراً لها بحلول العام 2024.

ما كان واضحاً للعيان أنَّ المستهدف من هذا القرار هو الإمارات، لكونها المركز الإقليمي للشركات المتعددة الجنسيات وشركات الاستثمار الخارجي. تبع ذلك العديد من القرارات والتحركات الاقتصادية السعودية التي تستهدف الإمارات وحدها، وذلك من خلال تعديل القواعد الجمركية بشأن الواردات من دول مجلس التعاون الخليجي، لاستبعاد السلع المصنوعة في المناطق الحرة أو استخدام المدخلات الإسرائيلية في زيادة التعرفة التفضيلية. ولن يكون الخلاف حول نظام الحصص النفطية في منظمة “أوبك بلاس” بين الإمارات والسعودية (وإن تم حله) هو الخلاف الأخير بين البلدين في سعيهما للتحضير لمرحلة ما بعد النفط.

ختاماً، بعيداً عن الخلاف حول الحصص النفطية وفرض الضرائب الجمركية وقرار حظر السفر إلى الإمارات، يبدو أنّ معركة دبلوماسية تدور خلف الكواليس بين السعودية والإمارات. هذه المعركة تتمثّل في رغبة السعودية باستعادة دورها الإقليمي، من خلال تصفير العداوات الخارجية مع الدول الفاعلة في المنطقة. هذا بالطبع يتطلب منها انتهاج سياسات خارجية منفصلة ومتمايزة عن سياسات الحليف القديم ومصالحه. وإن كان هناك بعض الملفات والمصالح المشتركة بين البلدين، والتي تدفعهما إلى إدارة الأزمة، إلا أنَّ المعادلة الصفرية في تحقيق المصالح القومية ستدفع تضارب المصالح وتصدّع التحالف إلى الظهور إلى العلن.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.