«أوهام ضائعة» فيلم عن سطوة الصحافة وألاعيبها

 

 نسرين سيد أحمد..

ربما يجدر بنا الحياد والموضوعية في تناولنا للسينما والأفلام، لكن أحيانا ندخل قاعة العرض دون توقعات مسبقة، فنجد أنفسنا أمام فيلم تطرب له عقولنا وتنبهر به أبصارنا، ونخرج من الصالة بعد انتهائه لنرجو لو عاودنا مشاهدته مجددا. هذا هو حالنا مع فيلم «أحلام ضائعة» للمخرج الفرنسي كزافييه جيانولي، الذي نافس على الأسد الذهبي في مهرجان البندقية السينمائي المقام  (من 1 إلى 11 أيلول الجاري).

يتصدى جيانولي في الفيلم لمهمة ليست باليسيرة، فقد أخذ على عاتقه تحويل رواية للأديب الفرنسي أونوريه دو بلزاك بالعنوان نفسه إلى فيلم بليغ، بديع بصريا.

تدور أحداث الفيلم في القرن التاسع عشر، لكن جوهره والقضية التي يناقشها آنية وعاجلة وضرورية تماما، فالفيلم عن ألاعيب الصحافة وزخرفها، عن دهاليزها الداخلية وعما يدور في أروقتها، عن فسادها وتلونها، عن قدرة البعض على شراء الصحافة بالمال، وعلى السطوة البالغة للصحافة، حيث يمكنها ببعض مقالات أن ترفع هذا إلى أوج المجد والشهرة، وأن تُسقط ذاك إلى هوة الفشل والدمار.

يتناول الفيلم أعوام الشباب وسطوة الأحلام والآمال في حياة شاب رقيق الحال من الريف الفرنسي، يُدعى لوسيان دو روبانبريه (بنجامان فوازان) يؤلف الشعر ويعمل في مطبعة صغيرة، ويحلم بمستقبل أدبي زاهر، وبالشهرة وبالاعتراف بموهبته في الأوساط الأدبية الرفيعة في العاصمة باريس. يظن لوسيان أن طريقه إلى المجد يسير، خاصة بعد أن افتتنت به امرأة من أسرة ثرية نبيلة، وأخذت على عاتقها أن تضعه على الطريق. يستثمر الشاب الغرير، الذي ما زال مدفوعا بالكثير من سذاجة الشباب وآمالهم العريضة، كل مدخراته من المال في طبعة أنيقة لقصائده، وفي ثياب يظنها على أحدث الصيحات في الثياب وأرقاها، ويغادر قريته الصغيرة إلى باريس، تلك المدينة التي تتراءى كحلم للكثيرين، والتي يأتي إليها آلاف الشباب مثل لوسيان تحدوهم آمال كبيرة، تلك المدينة التي تتصارعها التيارات الفكرية، والتي لا تهدأ مجالسها الأدبية والاجتماعية، والتي تغص مسارحها بكل صنوف الفن، نفيسه وغثه.

يضعنا جيانولي بصنعة سينمائية بليغة وسط أجواء باريس تلك، بشوارعها التي تغص بالنبلاء والشحاذين، بالأنيقين والمتأنقين، بأصحاب الموهبة الحقة والمدعين. لكن الأمر الذي لا جدال فيه للجميع في باريس هو سطوة الكلمة، فيمكن لكلمة قيلت في جمع من المتنفذين وأصحاب السطوة الاجتماعية، أن تمنح الشهرة والاعتراف الأدبي والاجتماعي لأحدهم، كما يمكنها أن تجرفه مع النفايات التي تغص بها الشوارع الخلفية الفقيرة للعاصمة. ويدرك لوسيان سطوة الكلمة، عندما يدخل عبر معارفه وصداقاته الجديدة أروقة الصحافة. يدرك أن ديوانه للشعر يمكن أن يغدو تحفة أدبية إذا كُتبت عنه مقالات تؤكد ذلك، ويُدرك أن الثناء يُمكن شراؤه، ويدرك أن ذيوع الكاتب يأتي بسطوة أعدائه ومحبيه، فمقالات الهجاء الأدبي تثير شهية القراء وفضولهم، كما أن مقالات المديح والثناء تدفعه لقراءة العمل. وتعلم الصحف سطوتها، ويعلم الصحافيون أنهم يمتلكون المصائر بكلماتهم.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.