“من الكسّارة إلى الوزارة” الأكثرية المسحوقة في جنوب الأردن

 

إبراهيم خليل..

لا أنكر أنني تواصلت مع هذه المذكرات أياما لا أمل القراءة، وبي لهفة وتوق لمتابعة هذه الومضات التي تجمع بين حديث الذكريات، والتوقف عند بعض التجارب التي تغدو مع الأيام دروسا مستعادة، وعظاتٍ مستفادة، يقبل عليها القراء في كل حين، ويتداولها الشداة على مرّ السنين.. فأبو عمر ـ كاتب هذه السيرة ـ الباعثُ من صدره بفيض الخاطر، والذارف من مآقيه الدمع السخين المائر، لا يألو جهده في تنضيد هذه اللواعج، دون أن يغفل عما مرّ به من مباهج، فيحدثنا حديث القلب للقلب عما ذاقه في طفولته من معاناة وحرمان، وما لقيه في صباه الأسيان، من مكابدة، ومن مجالدة، مع تكاليف الحياة، بعد أن رماه الدهر باليُتم، وقسا عليه الزمان بالفقر والعُدْم، فكان عليه ـ مكرها لا بطلا – أن يعيل نفسه بنفسه، وأن يعيل إلى جانب ذاته أمه وإخوته، وأن يصل الليل بالنهار، عاملا في مطعم تارة، وفي محجر تارة، وفي مقهى تارة أخرى. إلى أن رأف به الزمان فعُيّن معلما منفردا في بعض القرى، فكان فيها المدرس والمربي والآذن وحارس المدرسة، وهو الذي يقوم مع هذا وذاك بما يتطلبه البيت من أعمال بدءا بغسيل الملابس، وتحضير الأطعمة، ومرورا بتنظيف غرف الصف والمنامة. ويستطيع القارئ أن يعثر في هذا الكتاب على نموذج صارم للمدرس في ستينيات القرن الماضي، لاسيما في هاتيك المدارس التي كتب على تلاميذها، ومعلميها، أن يعانوا مثل هذا الوضع المُحزن.

ولا يفتأ المؤلف يتنقل بنا من مكان لآخر عبر البادية، في الشمال تارة، في المفرق والفدين والرويشد والزرقاء، وفي الجنوب طورا؛ في الطفيلة وفي معان وفي وادي موسى وفي الشوبك، ملما بالأوضاع الاجتماعية والطبقية، وحتى بالوضع الحياتي اليومي للأكثرية الصامتة المسحوقة في الجنوب، وهي التي لم تحظ من الحكومات الأردنية المتعاقبة إلا بالإهمال، وباللامبالاة. ومذكرات داودية في هذه الأمكنة، وفي تلك الأثناء، ترسم لنا أجواء مؤسفة عن معاناة الناس، وعن الضيق، والضَنَكِ الذي اتصفت حياتهم به، في حين كان الآخرون يرتعون بما أتيح لهم من أعطياتٍ ومُنح وامتيازات.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.