” قومي يا مريم” متوالية قصصية تستحضر معالم الحرب ومفاجآتها

 

المراقب العراقي/ متابعة…

يبدو أن القصة القصيرة بدأت تنتعش بعد تهميش تفاقم وطغا خلال عقود الفورة الروائية. ويبدو أن الالتباس القديم بين المتوالية القصصية والمجموعة القصصية لايزال بصحة وعافي

تترابط القصص وتستقل في آن واحد، في المتوالية القصصية التي يؤثلها بعضهم في المتوالية السيمفونية، وثمة من يقول، المتتالية، والمتتابعة، أو في “ألف ليلة وليلة”. وبهذا النسب العتيد يتعانق السرد في الرواية وفي المتوالية عبر الحكاية الإطارية أو الشخصيات أو الفضاء أو الحدث المركزي.

في “قومي يا مريم” لرباب هلال يقوم بيان كل ذلك. وهذه الكاتبة السورية، من الندرة التي أخلصت للقصة القصيرة، فلم تنزح منها للرواية. وكانت مجموعتها الأولى “دوائر الماء والأسماء” قد صدرت عام 1992، وتلتها مجموعات “ترانيم بلا إيقاع” 1995، و”أجراس الوقت” 2000، و”تلك المرأة تلك النار” 2008. وها هي بعد صمت سنوات الزلزلة السورية تقدم “قومي يا مريم” (دار التكوين بدعم من الصندوق العربي للثقافة والفنون 2021)، وتثبت على الغلاف “قصص قصيرة” فيما أراها متوالية قصصية بامتياز.

أما الحكاية الإطارية لهذه المتوالية فهي الحرب في دمشق بخاصة من الفضاء السوري، حيث نأت الكاتبة عن الصخب والجلجلة والتمترس والشعارية مما آذى كثيراً مما كُتب عن الحرب. وفي المقابل، آثرت رباب هلال الرهافة بما تعنيه من الحساسية وما تكاد تلامس من الصمت.

تنفتح المتوالية بقصة “إنهم هنا” حيث الضحايا الذين “يسكنوننا”. إنهم الرعب الذي يجعل العجوز تأمر ابنتها، “أخرجيهم من هنا”، والرعب الذي يجعلهم يتدافعون في الدخول إذ تنفتح النافذة، ومنهم من حاول الهجرة وأكله البحر، وهذا شاب بملابس الهلال الأحمر وقد ظهر فيه مكان القلب “ثقب وسيع مثل رغيف صغير محروق”.

تلعن الراوية هذه الحرب، وتلعن الكهرباء المقطوعة، وستظل تلعن في القصص التالية. وابتداءً من القصة التالية “غاردينيا بين الأصابع” لا تبقى الحرب حدثاً، بل تتكثف أيضاً في “قولة”. فالحرب هنا هي الإحساس بالموت إذ يذبل بالتقادم، وبالاطراد مع ديمومة الموت وتضخمه. والحرب تعجز التفاسير وتربك الفهم مثلما هي ظلال لا ترحل مع أصحابها الراحلين، وقد ختمت الحرب هذه القصة بغارة يختفي معها الهواء وشجرة الغاردينيا تحت أنقاض المبنى.

في قصة “الحاجز” تبدد الحرب الوقت وتغتاله بيومياتها القاهرة ومآلاتها القذرة التي تُفقِد حتى الحمير صبرها، لذلك يكون من الأفضل للراوية أن “أصيّرني نعامة”. وتقوم الشخصيات في هذه القصة ملوحة للشخصيات الروائية. فعدا عن الراوية التي تظل بلا اسم في القصص جميعاً، وإن تكن لا تفتأ تلوح للكاتبة بالسيرية، هي ذي المسافرة عبير التي لها “شأنها السري المحظور الخطير”، وهو ما يتبين في ختام القصة حين يأمر عسكري على الحاجز عبير بالنزول من الحافلة، ما يعني الاعتقال و/أو الاختفاء.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.