الانتخابات البرلمانية المبكرة.. هل من جديد؟

 

بقلم/ عادل الجبوري..

 

   بدأ العد التنازلي لموعد الانتخابات البرلمانية المبكرة المزمع اجراؤها في العاشر من شهر تشرين الأول – اكتوبر المقبل، وكلما اقترب الموعد، كلما اتضحت صورة المشهد الانتخابي أكثر فأكثر، وسط استعدادات وتحضيرات فنية متواصلة للمفوضية العليا المستقلة للانتخابات، تكللت بالمصادقة على المرشحين، واجراء قرعة منح الأرقام لهم، الى جانب الشروع بالحملات الدعائية الانتخابية، وكل ذلك وغيره اقترن بتأكيدات مختلف القوى والفاعليات السياسية والمجتمعية على أهمية اجراء الانتخابات في موعدها وعدم تأجيلها، لما يمكن أن يترتب من تبعات سلبية على أي تأجيل أو عرقلة.

وبحسب المفوضية العليا المستقلة للانتخابات، سيتنافس ثلاثة آلاف وخمسمائة وثلاثة وعشرون مرشحًا من كتل وكيانات مختلفة وبعضهم مستقلون على ثلاثمائة وتسعة وعشرين مقعدًا في إطار ثلاث وثمانين دائرة انتخابية في عموم محافظات البلاد الثمانية عشرة.

ومنذ أكثر من شهر ونصف الشهر، انطلقت الحملات الدعائية الانتخابية عبر وسائل الإعلام المرئية والالكترونية وكذلك من خلال التواصل المباشر بين المرشحين والمواطنين في الدوائر الانتخابية المرشحين فيها. وطبيعي أن الحملات الدعائية الانتخابية في أي دولة تجرى فيها الانتخابات لا بد أن تتضمن برامج وشعارات ووعودا وتواجدا للمرشحين في الميدان.

وقد لا يختلف اثنان على أن نجاح الانتخابات البرلمانية المبكرة، مرهون بجملة عوامل وظروف، متى ما توفرت وتهيأت بالشكل والمستوى المطلوب، يمكن حينذاك الحديث عن فرص نجاح وآفاق لمعالجة الأخطاء والسلبيات التي تراكمت على امتداد ما يقارب عقدين من الزمن نتيجة غياب التخطيط والتنافس السياسي السلبي والسعي وراء المكاسب الشخصية والحزبية الضيقة، ناهيك عن الاحتلال.

وطبيعي أن الحكومة بأجهزتها ومؤسساتها المعنية والقوى والفاعليات السياسية والثقافية المجتمعية والشرائح الاجتماعية، كلها مسؤولة بنسب متفاوتة عن نجاح الانتخابات.

وبسبب تراكم الأخطاء والسلبيات والفساد والانحرافات في مختلف مفاصل منظومة الدولة ومؤسساتها السياسية والأمنية والاقتصادية والخدمية، اهتزت ثقة الكثير من المواطنين بمجمل العملية السياسية والقائمين عليها والمتصدين لمواقع المسؤولية والقرار، وترتب على ذلك العزوف عن المشاركة في الانتخابات كردة فعل على القصور والتقصير الذي انعكس سلبًا على الواقع الحياتي لمختلف فئات وشرائح الشعب، هذا في الوقت الذي يتفق فيه كثيرون -نخبا سياسية ومواطنين- على أن أحد أبرز عوامل ومقومات نجاح العملية الانتخابية يرتبط بحجم المشاركة الجماهيرية فيها، أي بعبارة أخرى، كلما كانت المشاركة واسعة كلما كانت مصداقية النتائج أكبر، وبالتالي تكون مشروعيتها أكبر، إذ إن نسبة المشاركة القليلة يمكن أن تفتح الباب واسعًا للتشكيك والطعن في نتائجها ومخرجاتها، ولعل الانتخابات السبعة السابقة، لا سيما الأخيرة التي جرت في عام 2018، جوبهت بالكثير من التشكيك بسبب ضعف المشاركة وشبهات التزوير والتلاعب فيها، ناهيك عن إحراق وإتلاف أعداد كبيرة من صناديق الاقتراع.

وبقدر أهمية المشاركة، تبرز قضية أهمية وصحة اختيار المرشحين الذين يمتازون بالنزاهة والكفاءة والمقدرة على خدمة الناس والتعبير عن تطلعاتهم وطموحاتهم. وانطلاقًا من ذلك، كانت المرجعية الدينية في النجف الأشرف واضحة في موقفها حيال الانتخابات، فهي منذ وقت مبكر، وارتباطًا بالحراك السلمي الاحتجاجي الذي اندلع في العاصمة بغداد ومختلف مدن العراق في تشرين الاول-اكتوبر من عام 2019، دعت الى اجراء انتخابات برلمانية مبكرة ضمن رؤيتها لتحقيق الاصلاحات الشاملة وتحسين الواقع الحياتي لمختلف فئات وشرائح الشعب العراقي، علمًا أن المرجعية أكدت في أكثر من مناسبة أن الانتخابات تعد الخيار الأسلم والطريق الأقصر لمعالجة الأخطاء والسلبيات التي تراكمت على مدى الأعوام الثمانية عشر المنصرمة، باعتبار أنها تعكس ارادة الجمهور وتعبر عن رغبته وقراره باختيار من يمثله تحت قبة البرلمان، وكذلك فانها تقطع الطريق على خيارات وبدائل خطيرة من قبيل الانقلاب العسكري والتدخلات الخارجية والذهاب الى الفوضى والتناحر الداخلي، فضلًا عن ذلك فهي تؤسس لسياقات وآليات سليمة للتداول السلمي للسلطة.

وباعتبار أن الاحتلال الأميركي هو الذي تحكم بمصير البلاد وأمسك بزمام الأمور بعد الاطاحة بنظام صدام، فإنه كان من الطبيعي جدا أن يعمل على تسيير الأمور بما ينسجم مع مصالحه وتوجهاته، ولعل الانتخابات كانت من بين أبرز المفاصل التي عملت واشنطن على التدخل فيها ومحاولة توجيهها وفق ما ترغب وتريد.

وحتى لا نذهب بعيدًا، ربما يكفينا التوقف عند ما قاله السفير الأميركي في العراق ماثيو تولر قبل أسابيع قلائل خلال لقاء تلفزيوني أجرته معه إحدى القنوات الفضائية. فمن بين ما قاله السفير “إن السلطة ينبغي ألا تكون بيد المقاومة”! وهذه إشارة واضحة إلى القوى المناوئة للاميركيين والداعمة والمساندة للحشد الشعبي والمساهمة في تأسيسه.

كيف سمح السفير لنفسه أن يقرر ما هو مطلوب ومن ينبغي أن يتولى السلطة؟ ناسيًا أو متناسيًا أن الانتخابات هي الفيصل، وما يقرره الشعب العراقي عبر صناديق الاقتراع هو الذي يحسم قضية من يتولى السلطة وليس السفير الأميركي.

وفي موضع آخر يقول السفير إن “الانتخابات البرلمانية المبكرة جاءت لأن نتائج الانتخابات السابقة أفرزت أحزابًا لم تخدم العراق”.

وفي الواقع إن تقييم أداء الأحزاب والقوى السياسية وكذلك المؤسسات الرسمية الحكومية التنفيذية والتشريعية لا يتم من قبل أطراف خارجية، لأن ذلك يعد تدخلًا في الشؤون الداخلية، بل إن من يقيّم هو الشعب، وعبر صناديق الاقتراع أيضًا.

ان أهمية وضرورة الانتخابات المبكرة ترتبط أساسًا بتحقيق الإصلاحات واستعادة السيادة الوطنية وإنهاء التواجد الأجنبي بكل أشكاله ومظاهره، ومعالجة ما خلفه الاحتلال والتواجد الاميركي من مشاكل وازمات وكوارث وويلات، وهذا بالتأكيد لا يخفى على سعادة السفير تولر الذي تدخل فيما لا يعنيه.

لا شك أنه اذا جرت الانتخابات على أرضيات وأسس قوية ورصينة، فإنها ستنتهي الى نتائج مرضية وسليمة، وستكون فرصة كبيرة لتصحيح المسارات الخاطئة والتوجهات المنحرفة.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.