قافلةُ العشق الحسينيّ تحطّ الركب في السماوة

محطّات من "طريق الجنّة"

 

 

لبّت مدينةُ السماوة نداء الأربعين الخالد، بعد أن حطّت قافلة عشّاق الإمام الحسين(عليه السلام) الركب فيها، منذ أكثر من يومَيْن خلَتْ، حيث كان الدخول لهذه المدينة التي تنبضُ بحبّ الحسين (سلام الله عليه) كبقيّة المدن الأُخَر، من جهة قضاء الحضر التابع لمحافظة المثنّى.

وكان الدخول للسماوة عبر ثلاثة طرق هي العام والسياحيّ بمحاذاة نهر الفرات وسكّة القطار، لتجتمع هذه الطرقات إضافةً إلى النيسميّة فيها بمدينة السماوة، التي هبّ أهلُها هبّةً حسينيّة واستقبلوهم بكرمٍ واستقبالٍ قلّ نظيره، كيف لا وهم زائرو وضيوف الإمام الحسي ن(عليه السلام)، حيث فُتِحت سرادقُ الخدمة والحسينيّاتُ والبيوت التي فُتِحت قَبلها القلوبُ لضيافتهم”.

وتعتبر السماوة واحدةً من المحطّات الهامّة على طريق الزائرين، حيث تشهد التقاء زائري المحافظات الجنوبيّة (البصرة، الناصريّة، ميسان) إضافةً إلى مَنْ يلتحق بهم من أبناء المحافظة، ويتواصل المسيرُ فيها أكثر من أربعة أيّام تبقى المدينةُ في حالة إنذارٍ حسينيّ دائم.

وتبقى الغاياتُ الجوهريّة التي نستخلصها من الروايات الشريفة في فضل زيارة الإمام الحسين (عليه السلام)، هي تجديد العهد والولاية واختبار الحسّ بالإقدام والتضحية في طريق أهل البيت (عليهم السلام) ونصرة معتقداتهم، وهذا ما ورد في نصّ الزيارة: (وَقَلْبِي لِقَلْبِكُمْ سِلْمٌ وَأَمْرِي لِأَمْرِكُمْ مُتَّبِعٌ وَنُصْرَتِي لَكُمْ مُعَدَّةٌ).

وتواصل طلائعُ جموع الزائرين القادمة من جنوب العراق المسير إلى كربلاء المقدسة، حيث وصلت يوم الجمعة الماضي، إلى محافظة المثنّى ومركزها السماوة، بعد أن اجتازوا أغلب الطرق المؤدّية إليها عبر الناصريّة التي تشهد ذروتها على طريق ناحية البطحاء، الواقعة شمالها وتبعد عن مركزها بحدود (45كم) وعن حدودها الإداريّة مع محافظة المثنّى نحو (70كم).

وكانت مواكب الخدمة في الناصريّة التي استقبلت الزائرين على مدى أكثر من ثلاثة أيّام، قسمٌ منها ما يزال يقدّم خدماته، والقسم الآخر الذي قد اجتازه الزائرون بدأ برزم مستلزماته، وقسمٌ آخر توجّه إلى محافظة كربلاء أو محافظاتٍ قريبة منها، للمشاركة في فعّاليات العزاء والخدمة.

وما إنْ وطأت أقدام الزائرين أرضَ المثنّى، التي كان أهلُها ومواكبُها على استعدادٍ تامٍّ مقرونٍ بشوقٍ إلى الخدمة، حتّى هبّوا لاستقبال الزائرين والترحيب بهم على طريقتهم المعهودة التي ورثوها جيلاً بعد آخر.

من جهةٍ أخرى استمرّ تدفّق الزائرين من محافظة ميسان باتّجاه مدينة السماوة، متوجّهين نحو الديوانية، ومنها إلى مدينة الحلّة عبر قضاء القاسم، أو إلى مدينة النجف الأشرف ومنها إلى كربلاء، كذلك الحال بالنسبة لزائري محافظة واسط فما زالوا متواصلين بمسيرهم باتّجاه محافظة بابل.

ولا شيء يدفع بالجميع إلى بذل الجهد والمال والراحة سوى حبّ الحسين (عليه السلام)، والشوق إلى لُقياه، ولسان حال الجميع ينادي:

لبّيك داعي الله إنْ كان لم يُجبْك بدني عند استغاثتك، ولساني عند استنصارك، فقد أجابك قلبي وسمعي وبصري.

جدير بالذكر أن مسيرة زيارة أربعين الإمام الحسين بن علي بن أبي طالب (عليمها السلام)، انطلقت من محافظات مختلفة من محافظات مختلفة، وكان أهالي البصرة من أوائل الذي خرجوا ليحثوا الخطى نحو “قبلة الأحرار”.

ويحيي المسلمون ذكرى الزيارة الاربعينية بعد 40 يوماً على عاشوراء ذكرى استشهاد الإمام الحسين مع أهل بيته وأصحابه (عليهم السلام) في واقعة الطف سنة 61 للهجرة.

وزيارة الأربعين هي زيارة الإمام الحسين (ع) في العشرين من صفر بمناسبة مرور 40 يوماً على استشهاده، وقد ورد في رواية عن الإمام العسكري (عليه السلام) أنها من علامات المؤمن ومن هنا تراهم يتمسكون بها، ويولونها أهمية كبيرة من بين الطقوس التي يمارسونها.

ويسعى أتباع أهل البيت عامة وشيعة العراق خاصة للالتزام بهذه الزيارة والحضور عند حرم الإمام الحسين، فيقوم الكثير منهم بالسير مشياً لمسافات طويلة متجهين صوب المرقد الطاهر في كربلاء ومن شتى المدن والقرى، حتى أن مسيرة الأربعين أخذت تمثل أكبر تجمع لأتباع أهل البيت (ع) والتي لم يسبق لها مثيل في العالم، وبالتحديد في السنين التي تلت سقوط نظام حزب البعث بعد 2003.

ولزيارة الأربعين طريقتان الأولى هي التي رواها الشيخ الطوسي في كتابيه التهذيب ومصباح المجتهد عن صفوان بن مهران والتي تبدأ بـ السَّلامُ عَلَى وَلِيِّ اللَّهِ وَ حَبِيبِهِ السَّلامُ عَلَى خَلِيلِ اللَّهِ وَ نَجِيبِهِ السَّلامُ عَلَى صَفِيِّ اللَّهِ وَ ابْنِ صَفِيِّهِ السَّلامُ عَلَى الْحُسَيْنِ الْمَظْلُومِ الشَّهِيدِ … إلخ

والطريقة الثانية هي الزيارة المروية عن جابر بن عبد الله الأنصاري، والتي نقل لنا عطا (الظاهر نفس عطية العوفي الكوفي الذي رافق جابر بن عبد الله الأنصاري متجهاً صوب كربلاء في زيارته يوم الأربعين صورتها)، حيث قال: كُنت مع جابر بن عبد الله الأنصاري يوم العشرين من صفر، فلمّا وصلنا الغاضريّة اغتسل في شريعتها، ولبس قميصاً كان معه طاهراً، ثمّ قال لي: أمعك شيء من الطّيب يا عطا؟ قلت : سعد، فجعل منه على رأسه وساير جسده ثمّ مشى حافياً حتّى وقف عند رأس الحسين (ع) وكبّر ثلاثاً ثمّ خرّ مغشيّاً عليه، فلمّا أفاق سمعته يقول:السَّلامُ عَلَيْكُمْ يَا آلَ اللَّهِ السَّلامُ عَلَيْكُمْ يَا صَفْوَةَ اللَّهِ السَّلامُ عَلَيْكُمْ يَا خِيَرَةَ اللَّهِ مِنْ خَلْقِهِ السَّلامُ عَلَيْكُمْ يَا سَادَةَ السَّادَاتِ السَّلامُ عَلَيْكُمْ يَا لُيُوثَ [عَلَى لُيُوثِ] الْغَابَاتِ السَّلامُ عَلَيْكُمْ يَا سُفُنَ النَّجَاةِ السَّلامُ عَلَيْكَ يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ الْحُسَيْنَ السَّلامُ عَلَيْكَ يَا وَارِثَ عِلْمِ الأنبياء… إلخ

وكان لوصايا أهل البيت وتأكيدهم، الدور الفاعل في استجابة الشيعة وتحريكهم – في شتّى بقاع الأرض وخاصة في العراق – نحو إحياء تلك المناسبة حيث تتجه الملايين منهم صوب المرقد الطاهر للإمام الحسين (ع) في كربلاء، وغالباً ما يختار الزائرون السير على الأقدام من شتّى المدن والقرى؛ ليشكّلوا أكبر تجمع ومظاهرة يجتمع فيها أتباع أهل البيت (ع)، فلا تجد لها مماثل في العالم، وقد تجاوز عدد الزائرين في سنة 1436 للهجرة العشرين مليون زائر، كما كان قد وصل العدد قبلها بسنة إلى خمسة عشر مليون زائر وفق بعض الاحصائيات.

وقد أشار القاضي الطباطبائي إلى تمسك الشيعة بهذه الزيارة منذ عصر الأئمة المعصومين (ع)، ولم يمنعهم من القيام بها تعسّف الحكام الأمويين وظلم السلاطين العباسيين.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.