قوة الرمز في تشكل اللوحة

 

جاسم عاصي..

الرمز وجد له مجالاً في تشكل اللوحة وفق رموز بيئية، ذات بُعد دلالي قديم. وهي رموز تحاكي ظاهرة التخصيب في البيئة، محاولاً العبور به كبنية دلالية إخصابيه في الواقع. وهي في مجملها رموز مائية، ترتبط بما هو رمز إخصابي مركزي هو النهر بكل مكوناته ومحمولاته. مثل (الأسماك، قطع الأعشاب، جريان المياه، الضفاف، العمق). هذه الدالات تآلفت مع الإنسان الأول، وسيّرت حياته، فالسمكة رمز قوي كبنية، لأنه لا يشكل عنصراً يُحقق ذات الإنسان حسب، بل إن دلالته الأبعد ما يذهب إليه الفنان. وذلك لارتباط وجود السمكة مع وجود المياه، والمياه بوجود النهر وما حوله من أشجار وحقول مترامية، وهذه كلها تكشف صورة حركة الزمن. فالنهر مكان (حيّز) وحركة مياهه زمان. لذا نجد الفنان يختار بتلقائية إبداعية أهم عنصر (رمز) في الحضارات القديمة، ليقدمه تمثيلاً موضوعياً بما يوّفر له تشكيل دلالات جديدة عبر صياغة جديدة، وانسجام جديد مع مفردات أخرى في تشكيل اللوحة. أما ما يُزين الطبيعة، ويُضفي عليها جمالية فائقة، ونقصد به الاخضرار الذي يوحي بحيوية الوجود، فالفنان بما يشكله في اللوحة من باب جمالية الرؤى في صياغة شكل ومبنى هو تعبير عن رؤى قارّة لوظيفة الفن.

إن الرموز المذكورة وجدت لها متسعاً في اللوحات عبر هندسة مفرداتها، وكما ذكرنا في محاكاة الفنان الشعبي، ومنها (الدائرة والمثلث والمربع والمستطيل) هذه الأشكال هيأت رؤى تتجه إلى الطبيعة أيضاً، الأخذ منها والتأثر بها من قبل الفنان الشعبي كمنعم فرات في مجسماته مثلاً. غير ان الفنان هنا يُعيد النظر في ما كان ملاذاً تعبيرياً له، فمال إلى الطبيعة الخام ليشكّل رموزه منها، وبتلاعب فني بنيوي ذاتي، يوحي بدلالات موضوعية. فالقوس في تنامي الأشكال الهندسية، لعب دوراً في صياغة وتمثيل الشكل الجديد (الرمز الجديد). إن قدرة الفنان تتجسد في إمكانياته في اللعب بالأشكال وتغيير بنيتها من خلال مواضعها، مع المحافظة على تكوّنها من خلال دلالاتها. والفنان لا يبتعد عن وجود الجسد، معبّراً وفق بنية لا تبتعد عن محتويات ألوانه من الأشكال والهيئات الهندسية واللونية، فهو معني بالمرأة ككيان وجسد. وطيفه يتمسك بحلمية الطيف الشعبي. وتجسيد ذلك عبر الأزرق الشذري مثلاً، الذي يتلاءم مع المقدس للتعبير عن النقاء الروحي. فوجود الأنثى في اللوحة مرتبط أساساً بوجودها وسط فيض روحي، وهي تؤدي أدعيتها وتراتيلها الصامتة، والذي يعبّر أكثر عن وجودها، هو تقاطع الخطوط طولاً وعرضاً، مدللاً على سلطة منظومة الأسرة كذلك المجتمع. لذا نجد الأنثى هنا متقيّده بالعُرف، عبر نقاء جسدها. إن الفنان يمتلك القدرة على الإمساك بدلالة اللون. فاللوحة تبدو متعددة الألوان ومنها (الأصفر الصافي، الأزرق والشذري، الأحمر) وكل منها له دلالته وعلاقته بالرموز القديمة. فهي ألوان اتخذت التدرج في مسارها للتعبير على السطح. ونقاؤها نابع من نقاء الصيرورة. وتدرجها شكّل حراكاً أنتج رموزا مبنية على حراك ذهني (تداعيات) تتسلل إلى ذهن المتلقي البصري، والذي يمنحها هُويتها اللوّنية، أي وجودها اللوّني الصرف، فهي ألوان غير مشوبة، ولا متحللة، إلا بمقدار ما يتطلب التعبير عن الظاهرة. وهذا بطبيعة الحال له علاقة بمسار الحياة اليومية، فالفنان يُنشئ جمالاً تعويضياً عن المُدَمْر، أي صياغة جديدة مليئة بالبهجة ويغطي على الصورة اليومية المبتلاة بالتشويه والتدمير والإقصاء.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.