نصيف الناصري يكشف تناقضات العالم في قصائد نثر متمردة

 

المراقب العراقي/ المحرر الثقافي…

يرى الناقد محمد السيد اسماعيل ان أعمال نصيف الناصري تثبت تنوعاً وثراء في أشكال قصيدة النثر وابتعادها عن جماليات النمط الشعري الأحادي. وهي تراوح بين النمط الشعري الذي يجنح إلى البساطة والوضوح، والنمط المعتمد على المجاز التفعيلي، وكثافة اللغة. وأخيراً– وليس آخراً بطبيعة الحال– النمط الصعب الذي يغلب عليه التركيب والمجاز المفارق الذي يصدق عليه وصف القصيدة الحديثة “الزاجرة” لجمهورها والتي تحتاج إلى التأويل وإعمال مخيلة القارئ.

وقال اسماعيل في قراءة نقدية خص بها (المراقب العراقي): ان قصيدة نصيف الناصري يغلب عليها هذا النمط الأخير، فهي متأبية على المتلقي السلبي الذي ينتظر المعنى المنجز دون جهد أو تأويل. ويصدق على نصيف نفسه وصف الشاعر “الغيري”، بتعبير عباس محمود العقاد، بمعنى أنه ينحي الذات الفردية فلا نجد استخداماً لضمير “الأنا” بوصفه ضمير المتكلم المفرد؛ بل إنه يتحدث باسم الجماعة الذي هو صوتها المعبر من خلال تكرار ضمير المتكلمين “نحن”. ودائماً ما يأتي هذا الضمير الجمعي في مواجهة ضمير الجمع الغائب “هم”، بما يعني وجود صراع دائم بين الجماعتين وأحياناً نجد تماثلاً أو تآلفاً مؤقتاً بينهما حين نقرأ على سبيل المثال في ديوانه الفائز بجائزة حلمي سالم: “طباعهم متماثلة معنا/ لكنهم يشوشون على الميت في لحظة احتضاره/ وليست لهم فضيلة الذئب باستيلائه على أسرار الحملان”.

وأستدرك ،لكن يظل الصراع هو السمة الغالبة على هذا الديوان، كما يظهر من قوله في قصيدة “اغتيالات جماعية”: “زعماء قبائل ومذاهب يدمرون بفظاظتهم دفء أخوتنا ويتعدون على التغريدات الإلهية للطيور/ يورثون في لعبهم بالأسلحة على شواطئنا التي هدمتها حروبهم/ خزعبلات كثيرة إلى أولادهم وأحفادهم”. واللافت في هذه السطور أن تلك “الفظاظة” التي تدمر دفء الأخوة وتلهو بالأسلحة على الشواطئ التي دمرتها حروبهم، متوارثة.

وأضاف : ان هذه الأفكار الفظة التي لا تزيد على كونها من خزعبلات الطائفية التي تتمترس خلفها القبائل والمذاهب. والحقيقة أن هذه الرؤية ليست مجرد رؤية شعرية فحسب بل هي قناعة فكرية يؤمن بها الشاعر، كما يبدو في الكلمة التي أرسلها إلى لجنة الجائزة حين يقول: “شهدت وتشهد أزمان العالم منذ بدء الخليقة إلى الآن دورات واندفاعات مستمرة من البؤس والضرر الوحشي في جميع جوانب الحياة والطبيعة والإنسان”.

وتابع: تاريخ الإنسان على الأرض إذن هو تاريخ صراع بذرائع وهمية غير حقيقية من أوهام القبيلة والطائفة والمذاهب المختلفة. ومن هنا كثرت الدلالات المعبرة عن هذه الوضعية الوحشية من قبيل: صور الغرقى والقبور والطغيان والهاوية والمنفى والحروب والموت وغيرها. كما كثرت الثنائيات التي تتماثل فيها النقائض حين نحصي– على سبيل المثال– “الذين فقدناهم بعد نواح عظيم على الفاني والباقي”. فلا فرق هنا بين “الفاني والباقي”، فكلاهما يستحق النواح العظيم على مصيره، بل إن الباقي هو الأكثر بؤساً لاستمرار مأساته. وأحياناً ما يتآلف ضميرا المتكلمين والغائبين، واللذان أشرت إليهما بوصفهما على طرفي نقيض– وهما كذلك بالفعل– حين نقرأ في قصيدة “العادي والزائل”: “نرمم معهم في شقاء طويل عظام غرقاهم/ ونؤلف بين الحاضر والماضي”.

وأستطرد:لهذا يصبح سؤال الشاعر في قصيدة “حديقة عدن” سؤالاً مريراً عن نهاية تلك الأشجار الحبلى بالدراهم والثياب– لاحظ غرائبية الصورة– وذلك حين يقول: “لماذا أحرقوا أشجارهم الحبلى بالدراهم والثياب؟ نشاطهم/ في يومهم الذي يخلو من الروائح والطعوم/ صلاة معبأة بالشكوى من اقتلاعهم عن أرضهم التي تغني فيها اليعاسيب”. واليعسوب ذكر النحل، هو رمز للتضحية بالنفس في سبيل استمرار الحياة حين يلقح الملكة ثم يستسلم للموت.

وبين : لا شك أن الاقتلاع من الأرض هو بدء المسيرة المهلكة التي كتبت على الإنسان كما يعبر عنها الشاعر في قصيدة “أسقامنا المحظوظة”؛ حين يقول: “مسيرة مهلكة عبرنا فيها الأرض العطشانة للآباء”. وتصبح الحادثة الأعظم في تلك المسيرة عندئذ، هي “تصدع محبتنا في المنفى لأرض الوطن” وربما يكون هذا المنفى، لنتذكر أن الشاعر يعاني حقيقة هذا المنفى من سنوات في ابتعاده عن أرض الوطن وحياته في إحدى الدول الأوروبية شأن العديد من الشعراء العراقيين، أقول ربما يكون هذا المنفى أو المسيرة المهلكة، هو العقاب المتوقع لما يتوارثه الأبناء عن الآباء من نبذ الخير… “عادات متوارثة يتلقفها الأبناء عن الآباء في نبذهم لعمل الخير/ يجردون أنفسهم من القدرة على صداقة الرغيف”.

ولفت الى ان هذه العادات المتوارثة من نبذ الخير تؤدي إلى فقدان الطريق إلى الفردوس الأرضي بوصفه الحلم الإنساني القديم الذي ما زال يخايلنا… “يغرق الكثير من الصخور التي تستخدم في العبور إلى الفردوس/ يلفظ الحب أنفاسه حين ننزع الشهامة عنه”. هذه العادات تستدعي بدورها الإرث المنحط الذي تعوزه الاستقامة والذي يتمثل في الإبداع: “في القتل والتمثيل بجثة الربيع”. يتجسد هذا الإبداع في القتل، وفي وحشية الآخرين الذين– كما يصفهم الشاعر– “أتلفوا العنب بحقولنا وأحرقوا سلال الخبز/ إبادتهم للنسيم في كل صيف تحطم معنوياتنا”. وهكذا تبدو حياة الإنسان عموماً، كما لو كانت كما يقول الشاعر، نوعاً من “التكاثر في حنان الهاوية”.

وختم : ولعلنا نلاحظ في الشواهد السابقة غلبة ظاهرة التشخيص من قبيل: يلفظ الحب أنفاسه والتمثيل بجثة الربيع وإبادة النسيم والتكاثر في حنان الهاوية. حتى نصل إلى درجة إقناع الميت بضرورة موته وعدالته ولا ننظر إلى ذلك السلوك بوصفه سلوكاً سيئاً ينبغي الاحتياط منه واجتنابه، ويصبح العشق ضرباً من المغامرة المحفوفة بالمخاطر والتي تنتهي غالباً بالموت بسبب الوشاة المتزمتين… “نصغي إليهم أثناء إصابتهم ببرق العشق/ ونخفف عنهم رهابهم مما يضمره لهم/ الوشاة المتزمتون عند القبائل المريعة”.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.