قراءة تأريخية في مرض الرسول الأعظم (ص) ووصاياه

بداية الانعطافات بالتأريخ الإسلامي

 

 

كثرت الروايات في كيفية وفاته (صلّى اللّه عليه و آله) ووصاياه و نكتفي هنا بما اختاره الشيخ المفيد و الشيخ الطبرسي (رضوان اللّه عليهما) فقد قالا: إنّه (صلّى اللّه عليه و آله) تحقق من دنوّ أجله ما كان قدم الذكر به لأمّته فجعل (صلّى اللّه عليه وآله) يقوم مقاماً بعد مقام في المسلمين يحذرهم الفتنة بعده و الخلاف عليه و يؤكد وصايتهم بالتمسك بسنته و الإجماع عليها و الوفاق و يحثّهم على الاقتداء بعترته و الطاعة لهم و النصرة والحراسة و الاعتصام بهم في الدين و يزجرهم عن الخلاف و الارتداد وكان فيما ذكره من ذلك ما جاءت به الرواة على اتفاق والاجتماع من قوله (صلّى اللّه عليه و آله):

أيها الناس إنّي فرطكم وأنتم واردون علي الحوض، ألا وإنّي سائلكم عن الثقلين فانظروا كيف تخلفوني فيهما، فإنّ اللطيف الخبير نبأني أنّهما لن يفترقا حتى يلقاني و سألت ربّي ذلك فأعطانيه ألا وإنّي قد تركتهما فيكم، كتاب اللّه و عترتي أهل بيتي و لا تسبقوهم فتفرقوا و لا تقصروا عنهم فتهلكوا و لا تعلموهم فإنهم أعلم منكم أيها الناس لا ألفينّكم بعدي ترجعون كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض فتلقوني في كتيبة كبحر السيل الجرار ألا و إنّ عليّ بن ابي طالب أخي و وصيي يقاتل بعدي على تأويل القرآن كما قاتلت على تنزيله و كان (صلّى اللّه عليه و آله) يقوم مجلساً بعد مجلس بمثل هذا الكلام و نحوه.

ثم إنّه عقد لأسامة بن زيد بن حارثة الإمرة و أمره و ندبه أن يخرج بجمهور الأمة إلى حيث أصيب أبوه من بلاد الروم و اجتمع رأيه (صلّى اللّه عليه و آله) على إخراج جماعة من مقدمي المهاجرين و الأنصار في معسكره حتى لا يبقى في المدينة عند وفاته من يختلف في الرئاسة و يطمع في التقدم على الناس بالإمارة و يستتب الأمر لمن استخلفه من بعده و لا ينازعه في حقه منازع فعقد له الإمرة على ما ذكرناه.

وجدّ (صلّى اللّه عليه و آله) في إخراجهم و أمر أسامة بالبروز عن المدينة بمعسكره إلى الجرف و حثّ الناس على الخروج إليه و المسير معه و حذّرهم من التلوّم و الإبطاء عنه فبينما هو في ذلك إذ عرضت له الشكاة التي توفي فيها، فلما أحس بالمرض الذي عراه أخذ بيد عليّ (عليه السّلام) واتبعه جماعة من الناس و توجّه إلى البقيع، فقال لمن اتبعه: إنّي قد أمرت بالاستغفارلأهل البقيع فانطلقوا معه حتى وقف بين أظهرهم و قال: السلام عليكم يا أهل القبور ليهنئكم ما أصبحتم فيه، مما فيه الناس، أقبلت الفتن كقطع الليل المظلم يتبع أولها آخرها ثم استغفر لأهل البقيع طويلاً و أقبل على أمير المؤمنين (عليه السّلام) فقال له: إنّ جبرئيل (عليه السّلام) كان يعرض عليّ القرآن كل سنة مرّة و قد عرضه عليّ العام مرّتين و لا أراه الّا لحضور أجلي ثم قال: يا عليّ إنّي خيّرت بين خزائن الدنيا و الخلود فيها أو الجنة فاخترت لقاء ربي و الجنة فإذا أنا متّ فاغسلني و استر عورتي فإنّه لا يراها أحد إلّا أكمه، ثم عاد إلى منزله فمكث ثلاثة أيام موعوكاً، ثم خرج إلى المسجد معصوب الرأس معتمداً على أمير المؤمنين (عليه السّلام) بيمنى يديه و على الفضل بن العباس باليد الأخرى حتى صعد المنبر فجلس عليه، ثم قال : معاشر الناس قد حان منّي خفوق من بين أظهركم فمن كان له عندي عدة فليأتني أعطه إياها و من كان له عليّ دين فليخبرني به معاشر الناس ليس بين اللّه و بين أحد شيء يعطيه به خيراً أو يصرف عنه به شراً إلا العمل، أيها الناس لا يدعي مدع و لا يتمنى متمن و الذي بعثني بالحق نبياً لا ينجّي إلا عمل مع رحمة و لو عصيت لهويت اللهم هل بلّغت؟ ثم نزل فصلّى بالناس صلاة خفيفة و دخل بيته و كان إذ ذاك في بيت أم سلمة (رضي اللّه عنها) فأقام به يوماً أو يومين فجاءت عائشة إليها تسألها أن تنقله الى بيتها لتتولى تعليله و سالت أزواج النبي (صلّى اللّه عليه و آله) في ذلك فأذن لها فانتقل (صلّى اللّه عليه و آله) إلى البيت الذي أسكنه عائشة و استمر المرض فيه أياماً وثقل فجاء بلال عند صلاة الصبح و رسول اللّه (صلّى الله عليه و آله) مغمور بالمرض، فنادى: الصلاة يرحمكم الله فأوذن رسول الله بندائه، فقال: يصلي بالناس بعضهم فإنّي مشغول بنفسي، فقالت عائشة مروا  أبا بكر! و قالت حفصة: مروا عمر! فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) حين سمع كلامهما و رأى حرص كل واحدة منهما على التنويه بأبيها و افتتانهما بذلك و رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) حيّ: اكففن فإنكنّ كصويحبات يوسف.

ثم قام (صلّى اللّه عليه و آله) مبادراً خوفاً من تقدم أحد الرجلين و قد كان أمرهما بالخروج مع أسامة و لم يك عنده أنهما قد تخلّفا، فلمّا سمع من عائشة و حفصة ما سمع علم أنهما متأخران عن أمره ! فبدر لكفّ الفتنة و إزالة الشبهة فقام (صلّى اللّه عليه و آله) وأنّه لا يستقل على الأرض من الضعف، فأخذ بيده عليّ بن أبي طالب (عليه السّلام) و الفضل بن العباس فاعتمد عليهما و رجلاه تخطان الأرض من الضعف فلمّا خرج إلى المسجد وجد أبا بكر قد سبق إلى المحراب فأومأ إليه بيده أن تأخر عنه فتأخر أبو بكر و قام رسول الله (صلّى اللّه عليه و آله) مقامه فكبّر وابتدأ الصلاة التي كان قد ابتدأها أبو بكر و لم يبن على ما مضى من فعاله فلمّا سلّم انصرف إلى منزله و استدعى أبا بكر و عمر و جماعة ممن حضر بالمسجد من المسلمين ثم قال: أ لم آمركم أن تنفذوا جيش أسامة؟ فقالوا: بلى يا رسول اللّه، قال: فلم تأخرتم عن أمري؟ قال أبو بكر: إنّي كنت خرجت ثم رجعت لأجدد بك عهداً و قال عمر: يا رسول الله إنّي لم أخرج لأنني لم أحب أن أسأل عنك الركب، فقال النبي (صلّى اللّه عليه و آله): نفّذوا جيش أسامة، نفّذوا جيش أسامة، يكررها ثلاث مرّات ، ثم أغمي عليه من التعب الذي لحقه والأسف الذي ملكه فمكث هنيئة مغمى عليه و بكى المسلمون وارتفع النحيب من أزواجه وولده ونساء المسلمين و جميع من حضر من المسلمين فأفاق رسول الله (صلّى اللّه عليه و آله) فنظر إليهم ثم قال: ائتوني بدواة وكتف لأكتب إليكم كتاباً لا تضلوا بعده أبداً ثم أغمي عليه.

فقام بعض من حضر يلتمس دواة و كتفاً فقال له عمر: ارجع! فإنّه يهجر!! فرجع وندم من حضر على ما كان منهم من التضجيع في إحضار الدواة و الكتف و تلاوموا بينهم و قالوا: إنّا للّه و إنّا إليه راجعون، لقد أشفقنا من خلاف رسول الله (صلّى اللّه عليه و آله).

فلمّا أفاق قال بعضهم : ألا نأتيك بدواة و كتف يا رسول اللّه؟ فقال: أبعد الذي قلتم، لا و لكنّي أوصيكم بأهل بيتي خيراً و أعرض بوجهه عن القوم فنهضوا و بقي عنده العباس و الفضل بن العباس و علي بن أبي طالب (عليه السّلام) وأهل بيته خاصة، فقال له العباس: يا رسول اللّه إن يكن هذا الأمر فينا مستقراً من بعدك فبشرنا و إن كنت تعلم أنا نغلب عليه فاقض بنا، فقال: أنتم المستضعفون من بعدي و أصمت فنهض القوم و هم يبكون قد يئسوا من النبي (صلّى اللّه عليه و آله).

فلمّا خرجوا من عنده، قال (صلّى اللّه عليه و آله): ردّوا عليّ أخي و عمّي فانفذوا من دعاهما فحضرا فلمّا استقرّ بهما المجلس قال (صلّى اللّه عليه و آله): يا عمّ رسول الله تقبل وصيتي و تنجز عدتي و تقضي ديني؟ فقال العباس: يا رسول اللّه عمّك شيخ كبير ذو عيال كثير و أنت تباري الريح سخاء و كرماً و عليك وعد لا ينهض به عمّك.

فأقبل على عليّ بن أبي طالب (عليه السّلام) فقال: يا أخي تقبل وصيتي وتنجز عدتي وتقضي عنّي ديني وتقوم بأمر أهلي من بعدي؟.

فقال: نعم يا رسول الله، فقال: ادن منّي، فدنا فضمّه إليه ثم نزع خاتمه من يده، فقال: له: خذ هذا فضعه في يدك و دعا بسيفه و درعه و جميع لامته فدفع ذلك إليه و التمس عصابة كان يشدها على بطنه إذا لبس سلاحه و خرج إلى الحرب، فجيء بها إليه فدفعها إلى أمير المؤمنين (عليه السّلام)، و قال له: امض على اسم اللّه تعالى إلى منزلك.

 

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.