واقعة فخّ أعظم مصرع بعد الطفّ

الثورات الشيعية عبر التأريخ

 

 

واقعة فخّ، هي إحدى ثورات العلويين ضد الحكم العباسي والتي وقعت سنة 169 للهجرة في المدينة بقيادة الحسين بن علي من أحفاد الإمام الحسن (عليه السلام)، فقُتل الحسين والكثير من أصحابه في منطقة تُسمّى فخ بالقرب من مكّة، وروي أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أخبر بمقتلهم فيها.

وذُكر أنّ الإمام الكاظم (عليه السلام) امتنع عن المشاركة في ثورة فخّ وأخبر بمصيرها، وقد روي عن الإمام الجواد (عليه السلام): لم يكن لنا بعد الطف مصرع أعظم من فخّ.

والحسين بن علي بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب (عليه السلام) المعروف بصاحب فخ أو شهيد فخ، ذُكر أنه ولد حوالي 128 هـ وكان أبوه علي بن الحسن رجلاً عابداً واشتهر بعلي الخير وعلي الأغرّ، وكانت أمه زينب بنت عبد الله المحض وأخت محمد النفس الزكية. وقد اشتهر والداه بالزوج الصالح لشدة تقواهما وتعبدهما. وقد قتل الحسين صاحب فخ حوالي 169 هـ وهو في 41 من عمره.

ويظهر من بعض الروايات أن الحسين صاحب فخ كان يفكر في الثورة منذ حكم المهدي العباسي، حيث نُقل أن جماعة من الشيعة بايعوا الحسين في الكوفة ووعدوه بالخروج عند موسم الحج في مكة وكتبوا بذلك إلى الشيعة في خراسان وسائر النواحي.

وحسب رواية أخرى إن خروج صاحب فخ كان ردّ فعل على سياسة التضييق الذي انتهجها العباسيون ضد الطالبيين، حيث روي أن الهادي العباسي عندما أخذ بدفة الحكم شدد على العلويين و«ألحّ في طلب الطالبيين وأخافهم خوفا شديدا وقطع ما كان لهم من الأرزاق والأعطية»، ومن جانب آخر ولّى المدينة رجلاً من أحفاد عمر بن الخطاب فشدّد هو أيضاً على الطالبيين وأساء إليهم. قال اليعقوبي: فلما اشتد خوفهم اجتمعوا عند الحسين صاحب فخ وقالوا: أنت رجل أهل بيتك وقد ترى ما نحن فيه من الخوف، فقال الحسين: إني وأهل بيتي لا نجد ناصرين فننتصر، فبايعه عدد كثير.

وروى أبو الفرج الأصفهاني أن والي المدينة طالب العلويين أن يعرضوا يوميا في دار الإمارة وألزمهم أن يكفل بعضهم بعضا ويضمن عرضه. ولم يحضر الحسن بن محمد بن النفس الزكية في دار الإمارة لثلاثة أيام، وكان قد كفله الحسين بن علي (صاحب فخ) ويحيى بن عبد الله، فاستدعاهما الوالي، ووبّخهما، وطلب منهما أن يُحضراه؛ وأقسم إن لم يحضراه حتى الليل سيضرب الحسين 1000 سوطا، وسيخرب دكّانه، ويحرقه.

ومما حدث في هذه الفترة إلقاء القبض على ثلاثة أشخاص بتهمة شرب الخمر: أحدهم علوي والآخر من بني عمر بن الخطاب، وبالرغم من عدم إثبات جريمتهما، أمر الوالي بأن يجلدوا العلوي 80 جلدة، ويجلدوا العمري 7 فقط، ثم أمر بأن يطاف بهما في المدينة مكشوفي الظهور.

وذُكر أن الحسين وأصحابه قرروا أن يخرجوا في موسم الحج بمكة إلا أن بعض الأحداث وتضييق الوالي عليهم جعلتهم يستعجلون الخروج، ويظهر مما روى الطبري أن بداية خروجهم كانت في 13 من ذي القعدة فعندما حان وقت صلاة الصبح دخل 26 شخصا من آل علي (عليه السلام) و10 من الحجيج وعدد من الموالي في مسجد النبي (ص) وهم يهتفون «أحد أحد»، وطالبوا المؤذن أن يؤذّن بـ«حي على خير العمل»، فعندما سمع به الوالي خاف وهرب من المدينة، فصلى الحسين صاحب فخ بالناس ثم خطب لهم ودعاهم إلى اتباع سن رسول الله فبايعه الناس على كتاب الله وسنة رسوله و”المرتضى من آل محمد”.

وبعد ساعة هجمت شرطة المدينة بقيادة‌ خالد البربري على المسجد فقُتل خالد وانهزم جنوده، وفي اليوم التالي أيضا حدثت اصطدامات بين الثوار والجنود العباسيين مما انتهت إلى هزيمتهم، فاستنجدوا بمبارك التركي أحد قواد الجيش العباسي والذي قد وصل المدينة في طريقه إلى الحج، وحسب رواية مقاتل الطالبيين إن مبارك كره مواجهة الحسين صاحب فخ وكان يبحث عن عذر ليتخلّى عنها، فبعث إلى الحسين أن يهجم مع عدد من أصحابه ليلا إلى معسكره فيتظاهر مبارك بالانهزام ويخرج من المدينة، ففعل الحسين وخرج مبارك إلى مكة وأخيرا سيطر الحسين على المدينة، وقال الطبري بقي الحسين وأصحابه أحد عشر يوما في المدينة يتجهزون وخرجوا منها في 24 ذي القعدة. واستخلف الحسين رجلا اسمه دينار الخزاعي وجعله والياً على المدينة وخرج مع حوالي 300 شخص من أصحابه إلى مكة.

وكان بين خروج صاحب فخ وتولّي الهادي العباسي لزمام الحكم حوالي عشرة أشهر حيث أن الأخير توفي في محرم سنة 169 وخرج الحسين في ذي الحجة من تلك السنة.

وعندما وصل خبر خروج الحسين إلى الهادي العباسي، أمر وجوه العباسيين الذين قد ذهبوا إلى مكة للحج أن يتهيؤوا لمقابلة الحسين وأمّر محمد بن سليمان عليهم. فانطلق جيش العباسيين إلى المدينة فالتقي الجيشان يوم التروية (8 ذي الحجة) في منطقة «فخ»، وعُرض على الحسين الأمان، إلا أنه رفض فبدأت الحرب وقتل الحسين وكثير من أعوانه كما اُسِر بعضهم وهرب آخرون.

وقد اشترك أبناء عبد الله المحض بن الحسن المثنى في واقعة فخ، فقتل منهم سليمان بن عبد الله والحسن بن محمد بن عبد الله إلا أن إدريس بن عبد الله هرب إلى المغرب العربي فأسس هناك دولة الأدارسة كما هرب يحيى بن عبد الله إلى الدليم.

وبعد أن فشلت الثورة وقتل الحسين وأصحابه بفخ أمر والي المدينة بالهجوم على دار الحسين ودور جماعة من أهل بيته وغيرهم، فهدّمها وأحرق مزارع النخيل، وقبض ما بقي من أموالهم. كما أجبر موسى بن عيسى العباسي أهالي المدينة على التبري من آل علي (عليه السلام) والنيل من آل أبي طالب.

أما الهادي العباسي فقد تضاربت الروايات في ردّة فعله، منها: ما تؤكد أن الرجل اتخذ موقفاً صلبا من الثائرين وأنّه قتل الكثير من الأسرى وقام بالمثلة بالقاسم بن محمد بن عبد الله العلوي حيث قطع بدنه إرباً إرباً، وسخط الهادي على موسى بن عيسى لقتل الحسين بن علي بن الحسن بن الحسن وترك المصير به اليه ليحكم فيه بما يرى. في حين تقول الرواية الأخرى: إنه لما استبشر الذين أتوا برأس الحسين صاحب فخ، بكى الهادي وزجرهم، وقال: «أتيتموني مستبشرين كأنكم أتيتموني برأس رجل من الترك أو الديلم، إنه رجل من عترة رسول الله (ص)، ألا ان أقل جزائكم عندي أن لا أثيبكم شيئاً».

وتعتبر وقعة فخّ من أشدّ الحوادث التاريخية إيلاماً في تاريخ التشيع وبين الثورات الشيعية عامة، ولم تبتعد في مشاهدها الحزينة عن واقعة كربلاء، وروى المسعودي أن أجساد شهداء فخ بقيت ثلاثة أيام على وجه الأرض حتى أكلتهم السباع والطير ومن هنا وصفها الإمام الجواد (لعيه السلام) بأنه لم يكن لأهل البيت (عليهم السلام) بعد الطفّ مصرع أعظم من فخّ. وروي أن الإمام الكاظم (عليه السلام) كان يبكي شهداء فخّ ويبتهل الى الله بهلاك عدوهم ويدعو عليه بالويل والثبور والعذاب الأليم، كما تكفّل اليتامى والاطفال والأرامل العلويات.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.