حقوق وتعدد الجهات الرقابية…

بقلم / عبد الرضا المالكي ..
تعتبر الرقابة جزءًا رئيسيًا من أعمال الإدارة، لكن ليس بالضرورة أن يقوم المدير بها، لقد أصبحت الرقابة مهنة متخصصة يقوم بها متخصصون يحصلون على شهادات عالمية وتدريب خاص، وتعقد من أجلها مؤتمرات متخصصة حول العالم. لذا يكفي أن يقوم المدير بتعيين الأشخاص ذوي الكفاءة والتدريب العالي لتطوير وتنفيذ برامج متخصصة في الرقابة بأنواعها سواء المالية أو الإدارية أو الأداء أو حتى ما يسمى اليوم الرقابة الشاملة.
من المؤكد أن العقل السياسي للقوى المجاهدة ، والمتمثلة بعنوانها السياسي (حركة حقوق) الفتية سياسيا العريقة جهاديا، يفهم ويتفهم أن هناك علاقة طردية بين تطور أعمال الرقابة وبيئتها وأساليب الغش والاحتيال، ومن غير المعروف حتى الآن ما العامل المتغير في هذه المعادلة ومن التابع له، فهل يتطور الغش أولا ثم تأتي الرقابة لاحقا، أم أن الرقابة تتطور فتتطور أساليب الغش تبعا لذلك؟ من المدهش أن البعض يؤمن بأن زيادة نقاط التفتيش هي الحل الرقابي في مواجهة قضايا الغش والاحتيال، ولعل ذلك يأتي نتيجة الفشل في تدريب وتطوير الكوادر المؤهلة، وبالتالي أساليب الرقابة وأدواتها المستخدمة.
فمع تزايد مشكلات التلاعب والفساد في ظل عدم تطور مفاهيم الرقابة وأدواتها، فإن الحل البسيط أمام متخذي القرار هو زيادة أعداد المراقبين والجهات الرقابية، تماما كما يحدث في الطرق السريعة الدولية، فمع تزايد أعداد العابرين ولتفادي أخطاء مراقبة الحدود، فإن الحل دوما تكثيف نقاط التفتيش على طول الطريق على أساس أن تتفادى النقاط أخطاء بعضها بعضا.
لكن هذا الحل مكلف وغير مأمون الجانب، نظرا لأنه يعتمد على الحظ أكثر من المنهج، ولأن المنهج الذي تتبعه الجهات الرقابية واحد تقريبا، لذا فإن الأخطاء تتكرر بانتظام وما لم تستطع الجهة الأولى اكتشافه “منهجيا” فإنه من المستبعد أن تستطيع الجهة الثانية اكتشافه وفقا للمنهج نفسه.
تزايدت أعداد الجهات العامة المسؤولة عن الرقابة بشكل لافت، فمن ديوان الرقابة العامة إلى هيأة النزاهة العامة ودوائر المفتشين المرتبطين بمجلس الوزراء ، ومن هيأة الرقابة والتحقيق إلى وحدات المراجعة الداخلية ، إلى غيرها من الجهات. هذا التزايد في أعداد الجهات الرقابية يأتي تبعا لتزايد الشكاوى من ظاهرة الفساد والتلاعب. ومع أن زيادة عدد الجهات الرقابية تشير بشكل واضح جدا إلى الرغبة الصادقة والجادة للحكومة في معالجة ظاهرة الفساد هذه، إلا أن لذلك ضريبة ارتفاع تكلفة الرقابة، لذا فإنه ليس بالضرورة أن تكون زيادة الجهات الرقابية حلا مجديا لظاهرة الفساد، بل قد تزيد من فاتورته فقط. فمن المعلوم بديهيا أن تكلفة الرقابة على أي عمل يجب ألا تزيد بأي حال على تكلفة الهدر فيه كنتيجة للتلاعب، وإلا فإنه لا جدوى من الرقابة بتاتا، فحتى لو تمت السيطرة على الفساد نظريا على الأقل فإن الاقتصاد يخسر تكلفة الفساد نفسها، بل تزيد، لكن باسم الرقابة على الفساد، فهي ثوب آخر من الهدر، لكن في صورة نظامية.
لذا يجب أن تنخفض تكلفة الرقابة إلى الحد الذي يجعل من السيطرة على ظاهرة الفساد أمرا مجديا اقتصاديا، وهذا يتطلب دراسة متأنية وفاحصة لتكلفة أعمال الجهات الرقابية بجميع أشكالها من جانب وتكلفة الفساد من جانب آخر، ثم تطوير أعمال الجهات الرقابية “منهجيا” بحيث لا تتكرر ولا تتداخل الصلاحيات، ما يرفع تكلفة الرقابة دون جدوى، وبحيث تقوم كل جهة بجزء من أعمال الرقابة الشاملة، وأن تخضع جميعا لجهة إشرافية عليا تنسق فيما بينها، بخلاف ذلك فإن كل ما سنحصل عليه هو ارتفاع تكلفة الرقابة المتكررة التي تنفذها جميع الجهات. كما تتبادل الجهات الرقابية مسؤولية من عليه تنظيف البيت.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.