نحو عمل سياسي نظيف..!

بقلم / قاسم العجرش ..
من أهم مشكلات الحياة السياسية فى العراق، هو ما يعرف بـ «ضعف الكوادر الحزبية والسياسية» التى تعني أن أولئك الذين يفهمون العمل الحزبي، والقادرون على التعاطي الاحترافي الإيجابي مع المشهد السياسى هم قلة، وأن هذه القلة فى معظمها غير ذات كفاءة.
فى تحليل الظاهرة قبل أن أتوقف قليلا أمام أسبابها، فلا يمكن مثلا، تحليل ظاهرة ضعف خريجى الجامعات وقلة مهاراتهم، دون تحليل أسباب خراب النظام التعليمى أولا، وبالمثل فمن غير المنصف أن نحلل ضعف الكوادر الحزبية أو السياسية، دون تحليل مشكلات البيئة السياسية فى العراق بشكل عام.
تضغط البيئة السياسية؛ على الأحزاب والقوى السياسية، لتقوضها فى ثلاثة جوانب رئيسية يرتبط أحدها بالآخر
أولا/ أن أجهزة الدولة العميقة ترفض وتخشى، ومعها فى ذلك السلطة التنفيذية بالقطع لأنها جزء منها؛ عملية التعددية الحقيقية لأنها لا تثق إلا بـ«رجالها»، ممن يرتبطون معها بصلة وثيقة..وهذه المشكلة تأتي بالأساس بسبب ارتباط العراق، لفترة طويلة بتجربة الحزب الواحد، الذى يعمل كعصب للدولة والنظام معا.
ثانيا/ نتيجة للنقطة السابقة؛ فإن ثقافة المواطن أصبحت تعتبر العمل الحزبي، إما من قبيل الترف وإما من قبيل الانتفاع وسرقة المال العام، وباستثناء شهور معدودة أعقبت تغيير النظام الصدامي، فإن الناس عادة ما تتمنى أن يكون هنالك حزب واحد فقطـ هو القادر على تحقيق الرغبات لأنه «حزب السلطة»، بينما الأحزاب الأخرى؛ هى إما ورقية أو تلعب دور مخطط لها مسبقا، لذلك ترسخ فى ذهن المواطن أن التعددية مجرد «ديكور»، للتخديم على الحزب الواحد القوي والقادر على قيادة البلاد.
ثالثا: نتيجة لما سبق، أصبحت العلاقة بين «الدولة» والمواطن هى علاقة «زبائنية»، فالدولة تقدم فرصا اقتصادية واجتماعية (مدخلا للشركات العامة والخاصة، فرصا للتوظيف، توكيلات تجارية، تسهيلات استثمارية وعقارية.. إلخ) لوسطاء «نواب وسياسيين وحزبيين» فاهمين لقواعد اللعبة، ولا يتخطون الحدود المرسومة لهم مسبقا، فى مقابل الحصول على «توكيل الدولة»، للتوظيف والخدمات العامة لتقديمها للعامة، وهكذا فإن العلاقة من رأس الدولة وحتى المواطن، مرورا بالوسطاء السياسيين والحزبيين، هى علاقة زبائنية للعبور إلى مصادر الدخل والثروة والموارد فى إطار تعددي مصطنع.
نتيجة لكل ما سبق، تضعف البنية التنظيمية للأحزاب، وتندر مواردها وتكثر خلافاتها، ويتم استنزافها على أصعدة داخلية وخارجية، وقطعا يتم عقاب من يحاول الخروج من قواعد اللعبة المعدة سلفا.
على الرغم من كل ذلك، فلابد للأحزاب وخصوصا في الأوضاع السياسية الغامضة حاليا، ومع غياب حزب قوي، يوفر بإيمان حقيقي؛ فرصة للضغط باتجاه التعددية الحزبية، فإن الأحزاب السياسية ،يجب أن تأخذ على محمل الجد مهمة بناء وتطوير كوادرها الحزبية،
يقدم الارتباك الإنتخابي الحالي مقاربة مهمة، هي أنه يجب أن تكون القوى السياسية منظمة تنظيما دقيقا، لها هياكلها الثابتة بديناميكية عالية، ولها رجالها المدربون تدريبا جيدا على قواعد العمل السياسي، الذي يفهمه أغلب الساسة الحاليين، على أنه مجرد حزمة مناورات، تؤدي الى المكاسب فحسب؛ وهي ليست مكاسب حقيقية، سوى المكسب المادي الذي يعد في حسابات المنطق لا شيء..!
الحلول صعبة لكنها ممكنة للرجال المؤمنين بالمستقبل، وطبعا ستكون هنالك عقبات، لكن ستكون هنالك استثناءات، وقد لا تسير العملية ببساطة وانسيابية وترتيب، ولكنها يجب أن تبدأ، ومازالت هناك فرص فى المشهد السياسي العراقي، رغم محدوديتها، ولا يجب أبدا حتى فى أحلك الظروف، التنازل عن مبدأ التعددية الحزبية، القادرة على تغيير قواعد اللعبة السياسية.
كلام قبل السلام: لا يمكن تصور وجود حياة سياسية ديمقراطية، بدون وجود أحزاب وعمل حزبي “نظيف”، ولكي تنتظم “اللعبة” السياسية، وتتحول الى “عملية” سياسية متوازنة.. حركة حقوق من هذا النمط النظيف..!
سلام..

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.