أزمة تهدد البلاد بالجفاف مع كل صيف حارق

نقص المياه في العراق

 

 

يواجه العراق نقصا كبيرا في المياه ما يهدد استقرار الزراعة والصيد في البلاد على المدى البعيد، فضلا عن تهديد صحة سكانه البالغ عددهم 40 مليون نسمة. وفي شهر آب الماضي حذرت منظمات إغاثة دولية من أن ملايين الأشخاص في العراق معرضون لخطر فقدان الوصول إلى المياه.

ويعاني العراق منذ بداية موسم الصيف من أزمة نقص حاد في المياه، وقد حذرت منظمات إغاثة دولية في آب الماضي من أن ملايين الأشخاص في العراق وسوريا معرضون لخطر فقدان الوصول إلى المياه بسبب ارتفاع درجات الحرارة وانخفاض مستويات المياه بشكل قياسي.

وتصنف الأمم المتحدة العراق على أنه “خامس دولة في العالم معرضة لتهديدات” التغير المناخي.

فقد حذر برنامج الأمم المتحدة للبيئة عام 2019 من أن “التغير المناخي من المتوقع أن يقلل هطول الأمطار السنوي في العراق، مما سيؤدي إلى زيادة العواصف الترابية وانخفاض الإنتاجية الزراعية وزيادة ندرة المياه”. ومع كل صيف حارق، تقترب البلاد من هذا الواقع المرير.

ويقول برنامج الأمم المتحدة للبيئة إنه في عام 2015، كان لدى كل عراقي 2100 متر مكعب من المياه المتاحة سنويًا، مضيفا أنه بحلول عام 2025، ستنخفض تلك الكمية إلى 1750 مترًا مكعبًا، مما يهدد استقرار الزراعة والصناعة في البلاد على المدى البعيد، فضلاً عن تهديد صحة سكانها البالغ عددهم 40 مليون نسمة.

وخلال فصل الصيف من كل عام يواجه العراق انخفاضا في مناسيب نهري دجلة والفرات اللذين ينبعان من تركيا، ما يؤثر على اقتصاد للبلاد

وتشهد منطقة الأهوار جنوبي العراق جفافا ينعكس تأثيره على مصادر رزق سكانها.

ويقول العراق إن المشروعات المائية التركية أدت لتقليص حصته المائية بنسبة 80%، بينما تتهم أنقرة بغداد بهدر كميات كبيرة من المياه.

ويخوض العراق منذ الاحتلال الأميركي عام 2003 حرباً مغايرة في التكتيك والمضمون يبدو من ملامحها أنها ستكون طويلة الأمد بانخفاض معدلات إيرادات نهري دجلة والفرات بحوالي 50% عن معدلاتها الطبيعية خلال الأعوام الماضية، ليتسبب انخفاض مليار لتر مكعب واحد من المياه بخروج 260 ألف دونم من الأراضي الزراعية المنتجة عن الخدمة، بحسب إحصائيات شبه رسمية. كما ويخسر في ذات الوقت آلاف المليارات المكعبة سنوياً.

هذا الإجراء دفع وزارة الموارد المائية العراقية لإجراء مخاطبات ولقاءات رسمية مع تركيا وإيران وسوريا بشأن كميات المياه الواصلة إليه، وعقد لقاء مع الجانب السوري وتم التواصل فنياً مع الجانب التركي للاتفاق على تقاسم الضرر الناجم عن قلة الإيرادات بسبب تغير المناخ حسب الاتفاقية الموقعة بين الدول.

وشهد العراق مؤخرا تراجعا كبيرا في مناسيب نهري دجلة والفرات، خاصة في المحافظات الجنوبية، مما دفع بمنظمات حقوقية ونقابات إلى التحذير من آثار كبيرة على القطاع الزراعي واحتمال توقف بعض محطات مياه الشرب في تلك المحافظات، لكن وزارة الموارد المائية أكدت أن لديها خزينا مائيا مناسبا لهذا الموسم.

ويستهلك سُكان العراق -البالغ عددهم نحو 40 مليون نسمة الآن- ما يُقدر بـ 71 مليار متر مكعب من المياه. وعام 2035 سيصل عدد السكان إلى أكثر من 50 مليوناً، ومن المتوقع أن تنخفض المياه السطحية إلى 51 مليار متر مكعب سنوياً بعد إكمال كل المشاريع خارج الحدود.

وبشأن ايرادات المياه القادمة من إيران، هناك تفاوت وقلة في الإيرادات في سد دربندخان بمحافظة السليمانية حيث وصلت إلى معدلات متدنية جداً، وكذلك سد دوكان في المحافظة نفسها والتي وصلت نسبة الانخفاض فيه الى 70%. إلا أن ديالى هي الأكثر ضرراً كونها من المحافظات الزراعية المهمة ومصدر إروائها يعتمد على نهر ديالى سيروان بحوالي 80%، وكذلك نهر دجلة نحو 19-20%.

وتسبب انخفاض معدلات الإيرادات المائية في مناطق وسط وجنوب البلاد -وتحديداً الأهوار- بارتفاع نسبة الملوحة بالإضافة إلى تباطؤ سرعة جريان هذا المجرى، مع احتمال تكرار جفاف السنوات السابقة، لاسيما وأن معدلات التبخر عالية.

وشهدت الأهوار خلال السنوات الماضية ما بين عامي 2003-2018 تراجعاً كبيراً في منسوب المياه حتى أصيبت بجفاف كبير، الأمر الذي أدى إلى نفوق آلاف الحيوانات والأسماك، وهجرة السكان المحليين بعيداً بحثاً عن مصادر المياه.

وتشكل الأمطار 30% من موارد العراق المائية، في حين تقدر كميات مياه الأنهار الممتدة من تركيا وإيران 70% بحسب المديرية العامة للسدود بالعراق.

وعن انعكاسات ارتفاع درجات الحرارة على شحّ المياه وقلة تساقط الأمطار، والكمية التي يحتاجها العراق من المياه، يتوقع خبراء استراتيجيون أن يشهد العراق والمنطقة ارتفاعا كبيراً في درجات الحرارة وباستمرار موسم الصيف لنهاية موسم الخريف، لتزيد هذه الضغوط المناخية من احتمال مستقبل أكثر سخونة وجفافًا في البلاد، وستزيد حالات التبخر من المسطحات المائية العراقية سواء الطبيعية كالثرثار وبحيرة الحبانية أو خزانات السدود مما يقلل من الخزين الإستراتيجي الذي يعتمد عليه العراق في تغطية نقص التصاريف الواردة من تركيا وإيران.

وسيزداد أيضاً التبخر من الغطاء الأخضر مما يزيد من حاجته الى مياه الري، وستترك تغيرات المناخ عدداً من الرابحين والخاسرين فيما يتعلق بإمدادات المياه.

ويقرّ كبار خبراء السياسات المائية بأنّ العراق هو الطرف الخاسر في المعادلة المائية إذا استمر الجفاف لأكثر من موسم، باستمرار تحكم دول الجوار المائي بالمياه، والتقاسم غير العادل لها، مؤكدين حاجة العراق إلى أكثر من 50 مليار متر مكعب من المياه كحد أدنى لتلبية متطلباته المائية.

وقد أدى معدل الانخفاض الحالي إلى مخاوف في العراق من نقص كمية مياه نهر دجلة إلى نصف الكمية، بعد أن بدأت تركيا تشغيل سد إليسو الذي انتهت من بنائه في كانون الثاني 2018، مما عجّل من انخفاض منسوب المياه، ووضع العراق أمام مشكلة حقيقي.

ولم يتم التوصل حتى الآن مع العراق باتفاق في حسم نتائج بناء السدود في مجالات تتراوح بين تحقيق توافق حول التنمية المستدامة لكل من دولتي المنبع، وكونها مبررة بشكل عام بفوائدها الاقتصادية والسياسية، وبين معارضة العراق لإنشاء هذه السدود بتحكمها الشبه الكامل بتصاريف المياه إليه، ولأضرارها البيئية ومخاطرها في زيادة النشاط الزلزالي بالمنطقة سواء من حركة الصفائح التكتونية وتنشيط الفوالق والصدوع بالمنطقة القريبة من مواقع هذه السدود أو من الهزات الأرضية المستحثة Induced Seismicity)) التي تسببها الخزانات الكبيرة لهذه السدود.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.