متى وصل موكب سبايا آل البيت (عليهم السلام) إلى المدينة؟

 

تشير بعضُ الروايات إلى أنّه في الخامس من ربيع الأول لسنة 61هـ، وصل موكبُ سبايا أهل البيت (عليهم الصلاة والسلام) إلى يثرب، حيث أخذ يجدّ في السير لا يلوي على شيء، وقد غامت عيون بنات رسول الله(صلّى الله عليه وآله) بالدموع، وهنّ ينحبن ويندبن قتلاهنّ، ويذكرن بمزيدٍ من اللوعة ما جرى عليهنّ من الذلّ، وكانت يثرب قبل قدوم السبايا إليها ترفل بثياب الحزن على أمّ المؤمنين السيّدة اًمّ سلمة زوجة النبيّ(صلّى الله عليه وآله)، فقد توفّيت بعد قتل الحسين(عليه السّلام) بشهرٍ كمَداً وحزناً عليه.

ولمَّا وصل الإمام زين العابدين(عليه السّلام) بالقرب من المدينة، نزل وضرب فسطاطه، وأنزل العلويّات، وكان معه بشر بن حذلم، فقال له: “يا بِشْرُ، رَحِمَ اللهُ أَبَاكَ، لَقَدْ كَانَ شَاعِراً، فَهَلْ تَقْدِرُ عَلى شَيءٍ مِنْهُ؟”. قال: بلى يا بن رسول الله.

قال: “فَادْخُلِ الْمَدِينَةَ وَانَعَ أَبَا عَبْدِ اللهِ”. وانطلق بشر إلى المدينة، فلمّا انتهى إلى الجامع النبويّ، رفع صوتَه مشفوعاً بالبكاء، قائلاً:

يَـــــا أَهْلَ يَثْرِبَ لاَ مُقَامَ لَكُمْ بِهَا قُــتِلَ الْحُسَيْنُ فَأَدْمُعِي مِدْرَارُ

اَلْجِـــــسْمُ مِنْهُ بِكَرْبَلاَءَ مُضَرَّجٌ والـــرَّأْسُ مِنْهُ عَلَى الْقَنَاةِ يُدَارُ

فهرعت الجماهير نحو الجامع النبويّ، وهي ما بين نائحٍ وصائح، تنتظر من بشر المزيد من الأنباء، وأحاطوا به قائلين: ما النبأ؟

فقال لهم: هذا عليّ بن الحسين مع عمّاته وأخواته قد حلّوا بساحتكم، وأنا رسوله إليكم أعرّفكم مكانه. وعجّت الجماهيرُ بالبكاء، ومضوا مسرعين لاستقبال آل رسول الله(صلّى الله عليه وآله) الذي برَّ بدينهم، وساد البكاء، وارتفعت أصواتُ النساء بالعويل وأحطن بالعلويّات، كما أحاط الرجال بالإمام زين العابدين وهم غارقون بالبكاء، فكان ذلك اليوم كاليوم الذي مات فيه رسول الله (صلّى الله عليه وآله).

وخطب الإمام زين العابدين(عليه السّلام) خطبةً مؤثّرة، تحدّث فيها عمّا جرى على آل البيت من القتل والتنكيل والسبي، مستعرضاً المحن السّود التي عانتها الأسرةُ النبويّة، وما جرى عليها من القتل وسبي النساء، وغير ذلك ممّا تتصدّع من هوله الجبال، وانبرى إلى الإمام صعصعة، فألقى إليه معاذيره في عدم نصرته للحسين، فقبل الإمام عذره وترحّم على أبيه.

ثمّ زحف الإمام مع عمّاته وأخواته، وقد أحاطت به الجماهير، وعلت أصواتهم بالبكاء والعويل، فقصدوا الجامع النبويّ، ولمّا انتهوا إليه، أخذت العقيلة بعضادتَيْ باب الجامع، وأخذت تخاطب جدّها الرسول وتعزّيه بمصاب ريحانته قائلة: “يا جدّاه، إنّي ناعيةٌ إليك أخي الحسين”.

وأقامت العلويّات المأتم على سيّد الشهداء، ولبسن السواد، وأخذن يندبنه بأقسى وأشجى ما تكون النّدبة.

ووفقاً لروايات أخرى فإن يوم الـ20 من صفر، يصادف وصول موكب سبايا الحسين (عليه السلام) إلى كربلاء سنة 61هـ، ومرور أربعين يوماً على فاجعة كربلاء الدامية المؤلمة، التي كانت فيها شهادة الإمام الحسي ن(عليه السلام) وأهل بيته وأصحابه النجباء (رضوان الله عليهم).

وتذكر الرواية أنّه عند رجوع موكب السبايا من الشام إلى المدينة المنوّرة، وصلوا إلى مفترق طريق، أحدهما يؤدّي إلى العراق، والآخر إلى الحجاز، فقالوا للدليل: مرّ بنا على طريق كربلاء.

فوصلوا يوم العشرين من صفر -أي يوم الأربعين- إلى كربلاء، فزاروا قبر الإمام الحسين (عليه السلام) وأهل بيته وأصحابه، وأقاموا مأتم العزاء، وبقوا على تلك الحال أيّاماً.

وعن عطيّة العوفي، قال: خرجت مع جابر بن عبد الله الأنصاريّ (رضي الله عنه) زائراً قبر الحسين (عليه ‌السلام)، فلمّا وردنا كربلاء دنا جابر من شاطئ الفرات، فاغتسل ثمّ ائتزر بإزار، وارتدى آخر.

ثمّ فتح صرّةً فيها صعد [نوع من الطيب] فنثرها على بدنه، ثمّ لم يخطُ خطوة إلّا ذكر الله تعالى حتّى إذا دنا من القبر قال: ألمسنيه، فألمستُه إيّاه. فخرّ على القبر مغشيّاً عليه، فرششتُ عليه شيئاً من الماء.

فلمّا أفاق قال: يا حسين [ثلاثاً]. ثمّ قال: حبيبٌ لا يجيب حبيبه، وأنّى لك بالجواب، وقد شخبت أوداجك من أثباجك [جمع ثبج : وهو وسط شيء تجمّع وبرز]، وفُرّق بين بدنك ورأسك. أشهد أنّك ابن خاتم النبيّين، وابن سيّد المؤمنين، وابن حليف التقوى، وسليل الهدى، وخامس أصحاب الكسا، وابن سيّد النقبا، وابن فاطمة سيّدة النساء. وما لك لا تكون هكذا، وقد غذّتك كفّ سيّد المرسلين، ورُبّيت في حجر المتّقين، ورضعت من ثدي الإيمان، وفُطمت بالإسلام؛ فطبت حيّاً وطبت ميّتاً. غير أنّ قلوب المؤمنين غير طيّبةٍ بفراقك، ولا شاكّة في حياتك. فعليك سلام الله ورضوانه. وأشهد أنّك مضيت على ما مضى عليه أخوك يحيى بن زكريا.

ثمّ جال ببصره حول القبر وقال: السلام عليكم أيّتها الأرواح التي حلّت بفناء الحسين(عليه ‌السلام) وأناخت برحله. أشهد أنّكم أقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة، وأمرتم بالمعروف ونهيتم عن المنكر، وجاهدتم المُلحِدِين، وعبدتم الله حتّى أتاكم اليقين.

والذي بعث محمّداً بالحقّ نبيّاً، لقد شاركناكم فيما دخلتم فيه. فقال له عطيّة العوفي: وكيف ولم نهبط وادياً، ولم نعلُ جبلاً، ولم نضربْ بسيف؟!. والقوم قد فُرّق بين رؤوسهم وأبدانهم، وأُيْتمت أولادهم، وأُرْملت الأزواج؟!.

فقال له: يا عطيّة، إنّي سمعتُ حبيبي رسول الله(صلّى‌ الله ‌عليه ‌وآله ‌وسلم) يقول: (من أحبّ قوماً حُشِر معهم، ومن أحبّ عمل قومٍ أُشرك في عملهم). والذي بعث محمّداً بالحقّ إنّ نيّتي ونيّة أصحابي على ما مضى عليه الحسين(عليه ‌السلام) وأصحابه.

قال عطية: فبينما نحن كذلك، وإذا بسوادٍ قد طلع من ناحية الشام. فقلت: يا جابر، هذا سوادٌ طلع من ناحية الشام. فقال جابر لعبده: انطلقْ إلى هذا السواد، وائتنا بخبره، فإنْ كانوا من أصحاب عمر بن سعد فارجعْ إلينا، لعلّنا نلجأ إلى ملجأ، وإن كان زين العابدين(عليه ‌السلام) فأنت حرٌّ لوجه الله تعالى.

فمضى العبد، فما كان بأسرع من أن رجع وهو يقول: يا جابر، قمْ واستقبلْ حرم رسول الله(صلّى ‌الله ‌عليه ‌وآله). هذا زين العابدين(عليه ‌السلام) قد جاء بعمّاته وأخواته.

فقام جابر يمشي حافي الأقدام مكشوف الرأس، إلى أن دنا من زين العابدين(عليه ‌السلام).

فقال الإمام (عليه ‌السلام): أنت جابر؟. فقال: نعم يا بن رسول الله

فقال: يا جابر، ههنا والله قُتلتْ رجالنا، وذُبحت أطفالنا، وسُبيت نساؤنا، وحُرّقت خيامنا.

وتعدّ هذه الحادثة أوّل مأتم أربعين يُقام للإمام الحسين(عليه السلام)..

ومرّت مسيرةُ سبايا الإمام الحسين (ع) بمحطّاتٍ مأساوية عديدة، ففي اليوم التاسع عشر من محرّم الحرام سنة (61) للهجرة تحرّكت قافلة السبايا من الكوفة إلى الشام تتقدّمُها رؤوسُ الشهداء، وفي مقدّمتها رأسُ الإمام الحسين (ع).

فبعد أن عانت ربيباتُ الوحي ومخدّرات النبوّة والإمامة جميع أنواع المحن والبلاء أيام مكوثهنَّ في الكوفة؛ إذ عانينَ مرارة السجن وشماتة الأعداء وذلّ الأسر، وبعدما صدرت الأوامرُ من دمشق بحملهنّ إلى يزيد، أمر ابن مرجانة بتسيير رؤوس أبناء النبي (ص) وأصحابهم إلى الشام، لتُعرض على الشاميين كما عُرضت على الكوفيين؛ حتّى تمتلئ قلوب الناس فزعاً وخوفاً، وتظهر مقدرة الأمويين وغلبتهم على آل الرسول.

وقد سُيرت رؤوسُ العترة الطاهرة مع الأثيم زهير بن قيس الجعفي، كما سُيرت العائلةُ النبوية مع محفر بن ثعلبة من عائدة قريش، وشمر بن ذي الجوشن، وقد أوثقت بالحبال وأُركبت على أقتاب الجمال، وهنَّ بحالةٍ تقشعرّ منها ومن ذكرها الأبدان، وترتعد لها فرائص كلّ إنسان.

وخرجت قافلةُ السبايا من الكوفة إلى الشام تتقدّمها رؤوسُ الشهداء للإمام الحسين (ع) وأهل بيته وأصحابه التي خلّفت أجسادها في صحراء الطفّ، وسارت خلف الرؤوس النساءُ والأطفالُ، في مقدّمتهم عقيلة الطالبيين السيدة زينب (عليها السلام) بطلة كربلاء، وكان معها ابنُ أخيها الإمامُ زين العابدين (ع) الذي وُضعت بيده السلاسل وجُمِعت إلى عنقه، وحُمِلوا جميعاً على أقتاب الإبل التي كانت بغير وطاءٍ ولا غطاء، وراحت القافلةُ تخترق الصحاري والقفار متوجّهةً الى دمشق.

يشار الى أنّ نهضة الإمام الحسين (ع) قد مرّت بمحطّاتٍ عديدة منها قبيل شهادته (عليه السلام) وأخرى بعدها، ومن تلك المحطّات هي إرسال موكب سبايا أهل بيت النبوّة (عليهم السلام) الى الشام.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.