روح المكان في «كِرْكْ مُوْبَا»

 

 موسى إبراهيم أبو رياش ..

في رواية «كِرْكْ مُوْبَا… رسائل المدينة» ثمة علاقة قوية بين الإنسان والمكان؛ علاقة حب وارتباط وثيق، فروح المكان تسيطر على المشاعر والأحاسيس، ويشعر أهل المكان أن لا حياة لهم إلا فيه، ولا يتصورون أن يعيشوا بعيدا عنه، فالمكان روح سكنتهم وتشربتها أجسادهم، وهذه العلاقة السامية لا تعني الجميع بالتأكيد، فثمة أناس لا يشعرون بأي رابطة، أو ربما رابطة واهنة بلا جذور، وكذلك الغريب عن المكان، لن تسكنه روح المكان ما لم يعش فيه، ويخالط أهله، ويعرف أسراره. وفي المقابل، فإنه ليس لكل الأمكنة أرواح تستأثر بالمشاعر، فثمة أمكنة ميتة كالمدن الحديثة التي تطاولت مبانيها وتكاثرت فجأة كورم سرطاني، وما هي إلا غابات إسمنتية لا حياة فيها.

إن روح المكان سر لا يُكشف بسهولة، يقول صخر عن أنجيلا: «لا أظن أن باحثة وصلت منذ أيام قليلة قادرة على أن تعرف روح كرك موبا؛ إنها تحتاج إلى أيام وشهور، وربما إلى سنين لتعرف روح الكرك، وربما لن تعرفها أبدا، خاصة إذا كانت قادمة ولديها موقف مسبق من المكان القادمة إليه… وهي لا تعلم أن كل حجر في القلعة يحمل تاريخا من دم، وصدى صرخات أمم خلت، وعويل نساء فقدن أحبتهن عبر التاريخ». ولروح الكرك ميزة لا تتأتى لغيرها، فللكرك فرادتها، وكلٌ يرى مدينته لا مثيل لها، يقول صخر: «إن كرك موبا لم تكن مجرد مدينة وعاصمة لمملكة مؤاب؛ بل كانت في الوقت نفسه روحا لا تُرى ولا تُلمس بيد، تسكن أبناءها ولا تغادرهم. روح ميشع المؤابي ما زالت تسري في أجسادنا جميعاُ… يكفينا فخرا أننا ننتمي إليها وأن روحها تسري مع الدماء في أجسادنا».

التقطت أنجيلا ملاحظة صخر حول روح المكان وقادتها للكشف والسعي لمعرفة السر، تقول: «لكي تجد روح المكان لا بد من معرفة جيدة بتاريخه المكتوب والمحكي، ولا بد من معرفة جيدة بتفاصيل الحياة اليومية فيه، كيف جرت سابقا وكيف تجري في الوقت الراهن». ولذا قرأت تاريخ الكرك عبر العصور، وتعرفت إلى عظمتها وسيرتها في الصمود والتحدي، وخالطت أهل الكرك وقراها، وعاشت معهم، وشاركتهم حياتهم، وأكلت من طعامهم، وسمعت منهم القصص والحكايات، وسهرت معهم، فسرت إليها روح المكان، فسكنت واطمأنت وأحبت المكان وأهله، خاصة صخر، ملهمها ومرشدها الروحي.

من آثار روح المكان الجميلة النقية التي تتميز بها الكرك، هذا التلاحم القوي المميز بين مكوناتها الاجتماعية والدينية بين المسلمين والمسيحيين، فلا تكاد تجد اختلافا بينهما. تقول أنجيلا في رسالتها الأولى لصخر من القدس: «هناك رسالتان نفحتهما روح كرك موبا فيّ؛ الأولى عندما رأيت صورة مريم العذراء على الجدار في منزلكم إلى جانب آيات قرآنكم للدلالة على التسامح واحترام معتقدات الآخر التي وجدتها عندك وعند كل أهل الكرك بلا استثناء، لقد أدهشني ذلك. أما الثانية فهي الموقف في كنيسة القديس جرجينوس التي تسميها أنت مقام سيدنا الخضر. عندما أخبرتني أنه يُعمَّد هناك بعض الأطفال ويُختن الآخر، ثم يصبحون أصدقاء، وربما أكثر من ذلك. لا يوجد مكان في العالم يرى الإنسان فيه أخاه الإنسان قبل أن يرى ديانته إلا عندكم، مثلما تفعل بكم روح كرك موبا العظيمة».

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.