“شريدة” مغامرة الإبحار على خشبة المسرح

 

المراقب العراقي/ متابعة…

عالم البحارة مليء بالوجع والمغامرات والصبر والجلد والمعاناة، لا يعرفه إلا من جرب عيشه أو اقترب من حياة بحار ورافقه في يوم من أيامه المرة والطويلة وصراعه الأزلي مع البحر، لكن هذا العالم الغامض والمخيف نقل إلى خشبة المسرح من خلال تجربة مسرحية جديدة في تونس.

مسرحية ”شريدة“ للمخرج والمؤلف التونسي حسام الغريبي هي نقل لهذه المعاناة اليومية التي يواجهها البحارة في تونس، تنطلق من وقائع حقيقية وتسلط أضواءها على هذا العالم المهمش المثقل بالأحزان والمغامرة.

”جهنم ليست في السماء، جهنم في البحر“ بهذه الجملة تنطلق المسرحية وبها تختتم، لتُدخل المشاهد مباشرة في صلب الموضوع وتعلن منذ البداية عن حجم المعاناة والمكابدة التي يواجهها البحّار وتدعوه إلى رحلة إلى هذا العالم المحفوف بالمخاطر، بينما تدعو الشباك والأصداف المنثورة بشكل مرتبك في فضاء العرض إلى الغوص في هذا العالم بكل تفاصيله.

أمّا الإضاءة فتختلف في كل مشهد وتقدّم تعبيرات مختلفة عن الحالة النفسية للممثلين، فهي تارة حمراء قانية كلون الدم الذي يغلي في عروقهم نتيجة ما يواجهونه من أهوال، وتارة أخرى تميل إلى زرقة تحاكي زرقة البحر، ومرة تميل إلى البنفسجي فتعطي شيئا من الأمل والطمأنينة في النفوس وكأنّ عاصفة هوجاء قد مرت لتوّها وهدأت.

ومسرحية ”شريدة“من أداء محمد قريع ومحمد الحجاج ومحمد خميس، بينما كتب نصّها وأخرجها حسام الغريبي.

وعلى امتداد المسرحية تتحرك ثلاثة أجساد بأسمال بالية على خشبة المسرح معبّرة عن حالة القلق والارتباك التي يعيشونها في مغامراتهم اليومية مع البحر، والمسرحية لا تعالج هذا الموضوع بشكل مجرد مسقط بل تستلهم من أحداث واقعية عاشتها مدينة المهدية الساحلية التونسية مع فاجعة غرق أحد مراكب الصيد قبل عامين وخلفت آنذاك عشرات من الغرقى والمفقودين.

ومن هذا الاستلهام من الواقع بدا أن النص المسرحي قد سكن صاحبه ولزمه كظله لعامين متتالين حتى ولد مفعما بالصدق والألم والحرقة، طارحا أسئلة عن وضع البحّارة وما إذا كان البحر بالنسبة إليهم يمثل نعمة ومورد رزق أم نقمة وبابا من أبواب الفواجع التي لا أحد يدري متى تحلّ بعائلات اتخذت من البحر مصدرا للعيش.

ويسير النسق الدرامي للمسرحية بين الحكي والحوار وهي لا تخلو من إشارات إلى ”الصراع على القيادة“ الذي عادة ما يفضي بالسفينة إلى الغرق، وفق ما هو متعارف عليه في العرف الاجتماعي التونسي، ولعلّ في ذلك أيضا إشارة إلى الوضع العام في البلاد التي تعيش منذ سنوات كسفينة تائهة في بحر متلاطم الأمواج، بينما يتصارع أهل السياسة على غرفة القيادة، وما هم ببالغيها ولا قادرين على القيام باستحقاقاتها.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.