“مديح الموت” مسرحية عن مواجهة سؤال الخلود مشهديا

 

محمد الغزي  ..

في رواية “انقطاعات الموت” للكاتب البرتغالي جوزيه ساراماغو  يختفي الموت من المدينة فجأة بعد أن أعلنت كل المؤسسات الصحية أنها لم تسجل حالة وفاة واحدة. تغمر الفرحة قلوب الناس، فالموت، هذا العدو اللدود، توارى وبات الخلود مصير جميع البشر. لكن هذه الفرحة سرعان ما تحولت إلى قلق وخوف، فمهن كثيرة باتت مهددة بالزوال بعد اختفاء الموت، بل إن الكنيسة والحكومة أصبحتا مهددتين بعد أن فقدتا سلطتهما، حين  أصبح الإنسان خالداً لا يهرم ولا يموت. لقد أدى غياب الموت إلى فوضى عارمة لم تعرفها المجتمعات الإنسانية من قبل، الأمر الذي دفع بكثير من البشر إلى الفرار إلى الدول المجاورة حتى يهربوا من “معاناة الخلود”، وكان من نتائج  التهافت على الموت قيام منظمة سرية تسهل الموت على الراغبين فيه، أصبحت، في ظرف وجيز، دولة داخل الدولة.

كل الرواية ليست إلا مديحاً للموت ودعوة ملحة إلى تقبله بوصفه الوجه الآخر للحياة، فنحن، في واقع الأمر، نحيا بالموت.على هذه الأحداث المستلهمة من رواية جوزيه ساراماغو بنى المخرج التونسي علي اليحياوي مسرحيته الجديدة “في مديح الموت” التي قدمها المركز الوطني للفنون الدرامية والركحية في مدينة تطاوين في الجنوب التونسي.

لا شك في أن الوضع الصحي الصعب الذي مرت به تونس، قبل أشهر قليلة، كان من الأسباب العميقة التي أدت إلى اقتباس رواية الكاتب البرتغالي واستلهام أحداثها. يقول مخرج  المسرحية متحدثاً عن انتشار جائحة كورونا في تونس والعالم: “فجأة وجد الإنسان نفسه عاجزاً عن مواجهة الوباء: حجر شامل وشوارع مقفرة، وكأن العالم أقفر من ساكنيه”.

من المستشفى تبدأ المسرحية حيث رائحة الموت تملأ المكان، ننظر فلا نرى غير المشرحة حيث تتكدس الجثث، ولا نسمع غير صفير سيارات الإسعاف، أو نشرات الأنباء تعلن عن عدد الضحايا. بهذه الأجواء الكابوسية تبتدئ المسرحية حيث لا نقطة ضوء واحدة، ولا بارقة أمل، كل شيء يبعث على الرعب، فالموت يلقي بظلاله على المدينة، كل المدينة والناس يلوذون بالمنازل خائفين.

 

 مخرج المسرحية يطرح الأسئلة التي أثارها ساراماغو في روايته  “ماذا لو انقطع الموت فجأة وتركنا لحال سبيلنا؟ كيف ستكون حياتنا؟”. في المسرحية  كما في الرواية يختفي الموت فجأة ليفضي هذا الاختفاء إلى أزمة اقتصادية خانقة. ومن جديد يكتشف الإنسان شيئاً فشيئاً أن الموت ضرورة حتى تستمر الحياة. سبعة أشهر مرت ولم يمت أي مواطن، أي إن “الموت مات”، وبات الخلود قدر كل إنسان.

هذا الضرب من المسرح هو مسرح الأسئلة تستدرج المشاهد إلى وضع الواقع المألوف موضع نظر وتأمل، مسرح الجدل ينعقد بين رؤى فكرية وفنية ابتغاء الظفر بإجابة ممكنة على أسئلة اجتماعية وسياسية حارقة.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.