سقوط حكم بني أمية واستحواذ العباسيين على السلطة

قبل 13 قرناً كاملة

 

 

ما من شك في أنّ الثورة الحسينية المباركة شكّلت حدثاً تاريخياً كبيراً في حياة الأُمّة الإسلاميّة، بل في مسار الإنسانيّة بصورةٍ عامةٍ. ولم تكن هذه الثورة محض حدثٍ تأريخي عابرٍ طواه الزمان فيما طوى من أحداث كثيرة، وإنّما مَثَّلت عنصراً حاضراً في فكر ووجدان وحركة الناس إلى يومنا هذا.

وحدث بهذا الحجم لا بدّ أن يُدرس دراسةً علميةً شاملةً، تغطي جميع أبعاده وآثاره.

ومن الواضح أنّ فَهم أيّ حدثٍ ما ـ فهماً حقيقاً كاملاً ـ يتوقف على فهم خلفيّاته ومنطلقاته؛ لأنَّ معرفة الخلفيّات تُلقي لنا أضواءً كاشفةً على طبيعة الحدث وأُسسه ومنطلقاته، وبدون التعرّف على خلفيّات أيّ حدثٍ أو موقفٍ ما ودراسته مقتطعاً عن سياقه التاريخي سوف ينتج نتائج مغلوطة ـ وفي أحسن التقادير ـ ناقصة وغير مكتملةٍ، خصوصاً تلك الأحداث الكبرى التي هي ليست ثمرة صدفةٍ عابرةٍ، أو موقفٍ ارتجالي مفاجئ، أو قرارٍ متسرّع.

وما من شك في أنّ الثورة الحسينيّة المباركة بحجمها الكبير، وبنتائجها الخطيرة، لم تكن أمراً ارتجالياً ناتجاً عن انفعال آني غير مدروس، وإنّما كانت نتيجة مواقف مسبقةٍ، وتراكمات عديدةٍ، وقرار مدروسٍ؛ كانت نتيجته تلك الثورة العظيمة، ومن دون ملاحظة تلك الظروف والمواقف السابقة، وقراءة الأحداث التي سبقت الثورة، يبقى تقييمها ـ أو إعطاء حكم موضوعي بشأنها، بل حتى فهمها فهماً كاملاً ـ أمراً غير ميسور.

وهذا هو الخطأ الذي وقع فيه بعض الدارسين لثورة الإمام الحسين عليه السلام؛ حيث حاولوا أن يدرسوها مجتزأة عن سياقاتها الدينيّة والسياسيّة، والاجتماعيّة والتاريخيّة، وحدّقوا فقط فيما جرى في كربلاء، وفي أحسن الأحوال حاولوا دراسة الثورة، من حين بدء سلطان يزيد بن معاوية وخروج الإمام الحسين عليه السلام من المدينة، وحتى استشهاده في كربلاء، ممّا جعلهم يصدرون أحكاماً خاطئةً تجافي الحقيقة، وتبتعد عن الواقع بمسافات طويلة.

من هنا؛ نجد من الضروري ونحن نحاول أن ندرس ثورة كربلاء أن نمرَّ على خلفيّاتها والأحداث السابقة عليها؛ لنتعرف على سياقاتها التي قامت فيها. ولا يخفى على المتتبع لمسرح الأحداث، أنّ الإحاطة بالظروف السابقة على الثورة وملاحقتها من جذورها الأُولى، يستدعي وقفةً طويلةً، وإسهاباً كثيراً هو خارج عن إطار هذا البحث، ولكننا سنقوم بقراءة سريعة نحاول من خلالها إعطاء صورة مقتضبة لتلك الظروف والخلفيّات.

وشهدت الفترة التي عايشها الإمام الحسين عليه السلام، حكومة الطلقاء والأدعياء، وتَحَكُّمَهم بمصير الأُمّة، فما الذي حصل حتى يتمكّن الطلقاء والأدعياء من الاستيلاء على السلطة في الأُمّة والتحكم بمصيرها؟ وكيف وصلوا إلى ذلك؟ ليست قضيةً بسيطة أن يستولي الطلقاء ـ الذين حاربوا الرسول صلى الله عليه وآله والرسالة، وحاربوا الأُمّة طويلاً، ولم يَدخلوا في الإسلام إلا كُرهاًـ على زمام الأُمور فيها.

ثُمّ أيّ داهيةٍ دهت الأُمّة؟! وأيّ عوامل أدت بها إلى أن تصل إلى هذا المنحدر الخطير؟! بحيث تقتل ابن بنت نبيها وسبطه، وريحانته وسيد شباب أهل الجنة، وتسبي عياله كسبي الترك والديلم، هذا ليس سؤالاً بسيطاً فما الذي حدث؟!

لا نريد أن نرجع بعيداً وإلى ما جرى بعد النبي صلى الله عليه وآله من نزاع على السلطة بكل جدلياتها وإشكالياتها، وإن كان النزاع على السلطة ـ وما أفرزه من نتائج ـ يرتبط ارتباطاً وثيقاً بفهم مسار الأُمور، وكيف وصل الأمر إلى الطلقاء؟! إذ من الواضح لو أنّ مسيرة الإسلام جرت كما قد خطط لها النبيُّ صلى الله عليه وآله من قبل، واستمرت التجربة الإسلاميّة بقيادة الإمام علي عليه السلامـ تلك القيادة الإلهيّة المعصومةـ لما وصل الأمر إلى الطلقاء وأبناء الطلقاء.

فتَسلُّط الطلقاء وتغَلغُلهم في الجسد الإسلامي جاء نتيجة الأحداث التي أعقبت وفاة النبي صلى الله عليه وآله، والقيادات التي حكمت بعده تتحمل المسؤوليّة عن وصول الطلقاء إلى حكم المسلمين، ولكننا لا نريد الخوض في ذلك فعلاً؛ لأنّه يحتاج إلى بحث، بل بحوث مستقلةٍ هي أوسع مما نحن بصدده، وإنّما كلّ ما نحاول أن نركّز عليه، هو بدايات المشروع الأُمويّ، الذي استطاع أن يستولي على مقاليد الحكم في الدولة الإسلاميّة بفترة قياسيّة.

والشخصيّة الأُمويّة نفعيّة مصلحيّة، بعيدة عن الالتزام بالمبادئ والثبات عليها، ولعلّ ذلك يرجع ـ بحسب نظر بعض الباحثين ـ إلى طبيعة عملهم في الأسواق والصفقات التجاريّة، التي جعلت من شخصيّاتهم شخصيّات نفعيّة لا تؤمن إلّا بمبدأ الربح والخسارة، ووهبتهم صبغة براغماتية في التعامل مع الأشخاص والأحداث.

وعندما بزغ نور الرسالة في مكّة المكرّمة، شعر الأُمويون بأنّ ذلك يشكّل تهديداً كبيراً لمصالحهم في مكة المكرّمة، خصوصاً وأنّه ظهر من خصومهم ومنافسيهم التقليديين بني هاشم؛ فتصدوا لقيادة جبهة العداء للقضاء على الرسول صلى الله عليه وآله والرسالة، وجيشوا الجيوش وقادوا المعارك في سبيل اجتثاث شجرة الرسالة الباسقة، واستئصال شأفتها، وإطفاء نورها الوقّاد. ولكنّ الله تعالى نصر نبيَّه وأفشل كلَّ محاولاتهم للنيل من رسوله، حتى أتى أمر الله وهم كارهون؛ فدخلوا في الدين الجديد تحت طائلة السيف، ولم يدخلوه بقناعة منهم أبداً، وعلى حدِّ تعبير أمير المؤمنين عليه السلام: «ما أسلموا ولكن استسلموا». ويقول عليه السلام في كتاب لمعاوية: «وأمّا قولك: إنا بنو عبد مناف، فكذلك نحن، ولكن ليس أُميّة كهاشم، ولا حرب كعبد المطلب، ولا أبو سفيان كأبي طالب، ولا المهاجر كالطليق، ولا الصريح كاللصيق، ولا المحق كالمبطل، ولا المؤمن كالمُدغِل، ولبئس الخَلف خلف يَتبَع سلفاً هوى في نار جهنّم، وفي أيدينا بعدُ فضلُ النبوَّة التي أذللنا بها العزيز، ونعشنا بها الذَّليل، ولمَّا أدخل الله العرب في دينه أفواجاً، وأسلمت له هذه الأمَّة طوعاً أو كرهاً، كنتم ممّن دخل في الدين إمّا رغبةً وإمّا رهبةً، على حين فاز أهل السبق بسبقهم، وذهب المهاجرون الأولون بفضلهم». وقال أيضاً متحدثاً عن معاوية: «لم يزل لله ولرسوله وللمسلمين عدواً هو وأبوه، حتى دخلا في الإسلام كارهين مكرهين».

لقد رأوا أنّ الدين الجديد أصبح واقعاً لا مفرّ منه، ولا بدَّ من التعامل معه بأُسلوب جديد؛ لأنّ الوقوف بوجهه لن يجدي نفعاً، وقد علّمتهم السنوات الماضية ذلك جيداً. والشخصيّة البراغماتية تُحسِن التعامل مع متغيرات الواقع وتوظيفها لصالحها، فمن الغباء أن تواجه هكذا موجة بحر عاتية تكسر أضلاعها، في حال أنّ بإمكانها أن ترتقيها لتوصلها إلى الشاطئ، إذا كانت من ركاب الأمواج الجيدين.

لقد رأى الأُمويون أن لا فائدة في مواجهة المدّ الإسلامي، فلماذا الإصرار على مواجهته وهو قد يُتيح لهم فرصة استثنائية لم تكن تتوفر لهم في أيام الجاهلية إن أحسنوا استغلالها؟! فهذا الدين الجديد اكتسح الجزيرة العربية، وأسّس له سلطاناً مكيناً في ربوعها، ومن الممكن أن تتسع رُقعته إلى ما لم يتصوره أحد منهم، فلماذا لا ينزعون جلدهم ويلبسون جلداً ثانياً يتغلغلون من خلاله إلى الاستيلاء عليه؟

إنّ بني أُميّة كانوا يعلمون جيداً أنّ فرصتهم قليلة جداً في حياة رسول الله صلى الله عليه وآله، ولكن عليهم أن ينظروا نظرةً بعيدةً، وأن يُخططوا للمستقبل الآتي، وهكذا كان!

كان أبو سفيان يَعرف جيداً أنّه لا فرصة لديه لتبوّء منصب مهمّ في حياة رسول الله صلى الله عليه وآله، وكذلك سوف لن تكون حظوظه كثيرةً في سلب سلطان محمّد صلى الله عليه وآله، الذي كان يحلم به بعدَ وفاته مباشرةً، فهو عدو المسلمين بالأمس، وليس له في الأمر قَدم ولا قِدَم، ولكن بإمكانه أن يتسلل تحت عباءة اللاعبين الرئيسين في المسرح.

لقد حاول أن يُجرِّب حظّه في البداية مع أمير المؤمنين علي عليه السلام، مستغلاً حنق الإمام علي عليه السلام ممّا جرى في السقيفة من جهة، وقلّة ناصريه من جهة أُخرى. فجاء إلى أمير المؤمنين عليه السلام وحاول أن يستثيره، وأن يتلاعب بمشاعره تجاه اختطاف بني تيم وعديّ لخلافة رسول الله صلى الله عليه وآله، وهم غير لائقين بها في جاهليّة أو إسلام ـ كما كان يرى ـ وكذلك حاول أن يجعله يثور عليهم ويناجزهم القتال، واعداً إيّاه بأنّه سيملؤها عليهم خيلاً ورجالاً إن شاء.

وهنا تبرز قمّة البراغماتية السياسيّة في موقفه هذا، فهو لا يمانع أن يتحالف مع علي عليه السلام خصم الأمس، ما دام أنّه يوفّر له مصالحه، فالقاعدة البراغماتية تقول: ليس لنا أصدقاء دائمون، ولا أعداء دائمون، ولكن لنا مصالح دائمة.

وأدت حالة الضعف التي مرت بها الدولة الأموية لاحقاً بسبب الاضطرابات السياسية والثورات المسلحة والهزائم المتلاحقة إلى تفكك تلك الدولة وبزوغ نجم العباسيين.

وبعد نحو 3 أشهر من هزيمة الأمويين أمام العباسيين في معركة الزاب شمال العراق تمكن العباسيون في ١٢ ربيع الأول ١٣٢ هـ من اقتحام أسوار عاصمة الدولة الأموية دمشق وإعلان انتهاء نحو 90 عاما من الحكم الأموي.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.