من هو قاتل الإمام محمد الجواد (ع)؟

مراجعة تأريخية لسلوك العباسيين

 

 

تمر علينا في مثل هذه الأيام ذكرى هلاك المعتصم العباسي في سنة 227هـ، فلما توفى مؤسس مدينة سامراء، العاصمة العباسية آنذاك، فقد تولى الحكم ولده هارون الواثق الذي توفى سنة 232هـ، فارتقى الحكم المتوكل بن المعتصم الذي كان من أشد حكام سامراء العباسيين ظلما على المسلمين من أتباع أهل البيت عليهم السلام حيث أمر سنة 236هـ بهدم قبر الإمام الحسين بن علي عليهما السلام في كربلاء وسط العراق، وهدم ما يحيطه من منازل وأبنية، ومنع الناس من زيارته كيلا يستلهموا من مرقده قيم الثورة التي طالما زرعها في نفوس الثائرين على الظلم في كل زمان ومكان، والمتوكل وأجداده وآبائه من الحكام كانوا من أشد الظلمة والجبابرة، فحاربوا رموز أضرحة أئمة الهدى وخلفاء النبي صلى الله عليه وآله، وهم الأحق – بنص الله عليهم – بالخلافة ممن تقلدوها ممن يدعون الإسلام زوراً وبهتاناً، فكان ظلمه سبباً رئيسياً في قتله من قبل ابنه الذي تولى الحكم من بعده. وهكذا تولى بعد المتوكل إبنه المنتصر ومن بعده تولى المستعين، والمعتزّ الذي كثرت في عصره الاضطرابات في سامراء سنة 253هـ ووافق أن استشهد الإمام علي الهادي عليه السلام على أيدي حكام بني العباس بسامراء وكان ذلك في 27 جمادي الآخر سنة 254هـ، ولامتصاص نقمة الناس بعث المعتز بأخيه ابن أحمد المتوكل فصلى عليه في الشارع المعروف باسم شارع أبي أحمد، وهو من شوارع سامراء الرئيسية آنذاك، فلما كثر عدد الناس المشاركون في تشييع الإمام الهادي عليه السلام، وكثر بكاؤهم الشديد على مفارقته، ولتجنب انقلاب الناس على الحكم العباسي الغاشم، أصدر المعتز أمراً برد النعش إلى دار الإمام، فدفن فيه، وهو حالياً موقع مبنى العتبة العسكرية المقدسة التي تضم مرقدي الإمامين علي الهادي والحسن العسكري (عليهما والسلام ) وباقي أرحامهما من أهل البيت عليهم السلام. ثم ملك بعد المعتزّ، والمهتدي، وبعده المعتمد، حيث أنّ المدينة تركت بعد ذلك في عهده وأعاد مقر الحكم الإمبراطوري العباسي (المتسمي ظاهراً وزوراً وبهتاناً بالخلافة) إلى بغداد، ولم يكن قد مرّ على سامراء إلاّ أربع وخمسون سنة مَلَك خلالها ثمانية من أباطرة بني العباس (ما يسمى كذباً بالخلفاء) وهم: المعتصم، والواثق، والمتوكّل، والمنتصر، المستعين، والمعتزّ، والمهتدي، والمعتمد.

ويعتبر مشهد الامامين علي الهادي والحسن العسكري عليهما السلام، أهم معالم مدينة سامراء، ويضم أيضاً مرقد السيدة نرجس زوج الإمام الحسن العسكري عليها السلام ( ت سنة260 هـ) ، وقبر السيدة حكيمة بنت الإمام الجواد عليه السلام ( ت سنة 260 هـ).  قبة سرداب الغيبة الواقعة فوق سرداب بيت الأئمة الثلاثة علي الهادي والحسن العسكري والحجة بن الحسن عليهم السلام. وتتبع لمدينة سامراء مدن أصغر منها وقرى تضم العديد من مراقد أهل البيت وأصحابهم عليهم السلام، وهي: مرقد السيد محمد بن الإمام علي الهادي عليه السلام ( ت سنة 252 هـ ) ( 261 هـ). مرقد الإمام محمد الدري الذي ينتهي نسبه إلى الإمام الكاظم عليه السلام ( ت سنة 300 هـ). مرقد بنات الكاظم عليهم السلام في ناحية الدجيل. مرقد بنات الحسن عليهم السلام في منطقة الجلام. مرقد آمنة بنت الإمام الحسن عليه السلام. مرقد إبراهيم بن مالك الإشتر النخعي رضي الله عنهما. مرقد الشيخ محمد الجاجيري ( ت سنة 590 هـ). مرقد الشيخ كمر بن هلال ( ت سنة 1200 هـ). مرقد أحمد الدنبلي الخوئي ( سلطان خوي ) ( ت سنة 1200 هـ). مرقد محمود الطهراني ( ت سنة 1304 هـ). مرقد مهدي الشيرازي ( ت سنة 1308 هـ). مرقد إبراهيم النوري ( ت سنة 1320 هـ). مرقد محسن الزنجاني ( ت سنة 1321 هـ).

والإمام محمد الجواد، هو أبو جعفر محمد بن علي الجواد (عليه السلام) التاسع من أئمة أهل البيت الذين أوصى إليهم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بأمر من الله سبحانه لتولّي مهام الإمامة والقيادة من بعده بعد أن نصّ القرآن على عصمتهم وتواترت السنة الشريفة بذلك ، وتجسّدت في شخصية هذا الإمام العظيم  كسائر آبائه الكرام جميع المثل العليا والأخلاق الرفيعة التي تؤهّل صاحبها للإمامة الرسالية والزعامة الربّانية ، وتقلّد الإمامة العامة وهو في السابعة من عمره الشريف وليس في ذلك ما يدعو إلى العجب فقد تقلّد عيسى بن مريم(عليه السلام) النبوّة وهو في المهد.

ولم يكن الإمام (عليه السلام) بمنأى وبمعزل عن مجتمعه، بل كان حاضراً دائماً بين الناس يعيش احتياجاتهم وتطلّعاتهم ،وهناك أمثلة كثيرة تعكس مثل هذا التوجه عند الأئمة(عليهم ‌السلام) ،فالإمام الجواد(عليه السلام) ينطبق عليه ما ينطبق على أجداده ومن ذلك هذا المثال:

أن داود بن القاسم الجعفري قال : … وأعطاني أبو جعفر ثلاثمائة دينار في صرّة وأمرني أن أحملها إلى بعض بني عمّه وقال: (أما أنه سيقول لك دلّني على حرّيف يشتري لي بها متاعاً فدلّه عليه) . قال: فأتيته بالدنانير فقال لي: (يا أبا هاشم دلّني على حرّيف يشتري لي بها متاعاً)، ففعلت.

ويتضح من هذا المثال أنّ الإمام(عليه السلام) كان يتتبع الاحتياجات ويسعى إلى سدّها.

وكان الإمام الجواد(عليه السلام) أعبد أهل زمانه، وأشدهم حبّاً لله عَزَّ وجَلَّ وخوفاً منه، وأخلصهم في طاعته وعبادته شأنه شأن الأئمة الطاهرين من آبائه(عليهم ‌السلام) الذين عملوا كلّ ما يقرّبهم إلى الله زلفى ، ومن مظاهر عبادة الإمام الجواد(عليه السلام) نوافله إذ كان(عليه السلام) كثير النوافل، ويقول المؤرخون إنه: كان يصلّي ركعتين يقرأ في كل ركعة سورة الفاتحة، وسورة الإخلاص سبعين مرة، وإنه(عليه السلام) إذا دخل شهر جديد يصلّي أول يوم منه ركعتين يقرأ في أول ركعة (الحمد) مرة، و(قل هو الله أحد) لكل يوم إلى آخره … يعني ثلاثين مرة  وفي أول الركعة الأخرى (الحمد) و(إنا أنزلناه) مثل ذلك ويتصدق بما يتسهل، يشتري به سلامة ذلك الشهر كله .

وجاء في الرواية أنه صام أبو جعفر الثاني(عليه السلام) لمّا كان ببغداد يوم النصف من رجب، ويوم سبع وعشرين منه، وصام معه جميع حشمه، وأمرنا أن نصلّي بالصلاة التي هي اثنتى عشرة ركعة:تقرأ في كل ركعة الحمد وسورة، فإذا فرغت قرأت (الحمد) أربعاً، و (قل هو الله أحد) أربعاً، والمعوّذتين أربعاً، وقلت: (لا إله إلاّ الله والله أكبر، وسبحان الله، والحمد لله، ولا حول ولا قوة إلاّ بالله العلي العظيم) أربعاً، (الله الله ربي لا أُشرك به شيئاً) أربعاً، (لا أُشرك بربّي أحداً) أربعاً.

وبالرغم من قصر المدة التي عاشها الإمام محمد الجواد(عليه السلام) وهي خمسة وعشرون سنة منذ ولادته وحتى استشهاده، وهو أقصر عمر نراه في أعمار الأئمة الإثني عشر(عليهم‌السلام) من أهل بيت رسول الله(صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم)  إلاّ أنّ التراث الذي وصل إلينا إذا قارنّاه بالظروف التي أحاطت بالإمام(عليه السلام) وبشيعته وقارنّاه بأعمار من سبقه من آبائه الكرام والتي يبلغ معدّلها ضعف عمر هذا الإمام العظيم نجده غنيّاً من حيث تنوّع مجالاته، ومن حيث سموّ المستوى العلمي المطروح في نصوصه وحجمه، ومن حيث دلالاته التي تعد تحدّياً صارخاً عند ملاحظة صدور هذا التراث من مثل هذا الإمام الذي بدأ بالإشعاع والعطاء منذ ولادته وحتى سِنيّ إمامته وهو لم يبلغ عقداً واحداً من العمر.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.