شاكر الأنباري: رواية “بلاد سعيدة” وثقت قتل الأمريكان لـ 11 فردا من عائلتي

 

المراقب العراقي /أشرف الحساني…

للكاتب العراقي شاكر الأنباري مكانة هامة داخل الأدب العراقي المعاصر، لكونه من الأدباء العراقيين الذين راكموا متنا متعددا بين القصة والرواية والترجمة والكتابة المفتوحة ذات البعد السردي واليومي وفعل الكتابة الأدبية لدى الأنباري “لا يستقيم إلا بتصحيح تخلفنا التاريخي” وهو مفهوم قائم بالأساس على نظرة تاريخانية إلى الواقع بوصفه مختبرا لتعاقب الأحداث وهذا الأمر ينعكس بشكل نوعي على كتاباته الأدبية المعنية أكثر بوصف الأحداث والشخوص والأماكن.

عن مشروعه الثقافي في الأدب، التقت (المراقب العراقي) بالكتب الانباري، وكان هذا الحوار:

*الكتابة وقلق الوجود هل تعتقد أن الكتابة الأدبية اليوم قادرة على تخليص الكائن من شقائه وحزنه وألمه داخل أوطاننا المنكوبة؟

– شعوبنا تدفع ثمن تخلفها التاريخي، والتخلف التاريخي لا ينفع معه الأدب لتجاوزه كونه نتيجة لانحدار حضاري طويل في الفكر، والتقاليد، والمعتقدات، والرؤية إلى الحياة. منطق العالم اليوم علمي، والمنطق العلمي يتطلب الدراسة، والتثقيف، والتعليم، والاكتشاف، والتجريب. نحن نمتلك عقلية قدرية تتنافى مع منطق الحضارة المعاصرة.

*لكن الأدب عموما يفتح كوى في العقل الخرافي، ويصل الفرد بالخيال والمنجز القادم لنا من بعيد، وهو على العموم متحرر من الغيبيات والخرافات. ويمكن للثقافة أن تخلف تواصلا حضاريا مع الشعوب المتقدمة، وهو ما نحن بحاجة إليه، فالأدب يوسّع التجربة، ويشحذ خيال الحلم نحو مستقبل أفضل.

– ليست هناك ثورة على واقع بائس دون ثقافة وتعليم وتمرد وأفق حر، ودون التحديق في واقع البؤس والبشاعة. ويعتبر الفن، والثقافة، والعمل الفكري العميق، وسائل لمعرفة الذات، ومعرفة حجم بلداننا، وتاريخنا، ومصادر قوتنا في تلمس موضع ثابت لنا في هذا العالم.

*ككاتب عراقي عاش لسنوات مآسي الحرب والدمار والتهميش. ما الصورة التي ترسمها ثقافيا للعراق؟ وإلى أي حد استطاعت مظاهر الحرب رسم ملامح أفق ثقافي جديد قادر على التأثير في خصوصيات المنجز الأدبي العربي؟

– العراق يعيش فترة مخاض عسير لاسترداد شخصيته الحضارية وخصوصيته، بعد 4 عقود من حروب دمرت البنية التحتية، وأتلفت الروح الفردية الأصيلة والذكية والحالمة ولقد وجد الشعب نفسه فجأة في عالم متطور، ومتغير بسرعة، وبدأت الثقافة تعي ذلك وتبحث لها عن مسار يعيد الشخصية العراقية كشخصية مبدعة، متسائلة، لا تستكين إلى الظلم والرؤية المتكلسة للواقع ،يكفي للثقافة العراقية ريادة وإبداعا على الصعيد العربي أنها استطاعت تكثيف، ورصد، ومعالجة ما عاشه البلد من تهميش، وانغلاق، ومآس يومية، واستخلاص الدرس والحكمة منها لكي تقدم مقاربات جديدة يكفي للثقافة العراقية ريادة وإبداعا على الصعيد العربي أنها استطاعت تكثيف، ورصد، ومعالجة ما عاشه البلد من تهميش، وانغلاق، ومآس يومية، واستخلاص الدرس والحكمة منها لكي تقدم مقاربات جديدة.

 

*كتابك “مثل برقٍ خبا: سيرة ثقافية لكاتب جوّال” تتناول فيه سيرتك الأدبية في علاقتها بالكتب والناس والمدن التي أثرت في مخيالك الأدبي ككاتب مغترب. هل تتفق معي بوجود خصوصية وقيمة معرفية مضافة للكتّاب الذين عاشوا النفي والتهميش؟

– هذا الكتاب يلخص، إلى حد ما، تجربتي في الكتابة، وما رافقها من انتقالات حياتية في الزمان والمكان، وما أنتجت تلك التجربة من روايات، وقصص، ومقالات، وعمل تحريري وإعلامي، ووجهات نظر في الأحداث التي عاصرتها، أو كنت شاهدا عليها، أو مشاركا فيها على امتداد 40 سنة تقريبا. وهو سيرة مثقف عراقي جوّال عاش في أكثر من بلد، وتمثّل أكثر من لغة وثقافة، وظل الكتاب رفيقا دائما في تلك الرحلة الشاقة، رحلة الحياة، قراءة وتأليفا ونقدا وترجمة.

*يمثل الأدب العراقي ركيزة أساسية في صناعة الحداثة الأدبية شعرا ورواية وقصة داخل البلاد العربية مقارنة ببلدان أخرى تبلورت حداثتها بشكل متأخر لأسباب تاريخية. كيف استثمر العراق مشروعه النهضوي في اجتراح أفق ثقافي يوازي بين عمق الحضارة وفتنة الحداثة؟

-أستطيع القول إن المشروع النهضوي العراقي توقف تقريبا منذ بداية الحرب العراقية الإيرانية عام 1980 التي تسبب بها الطاغية المقبور صدام، إذ دخلت البلاد في عقود طويلة من الحروب المتعاقبة توجت بحرب شبه أهلية واصطفافات طائفية ومناطقية تسبب بها الاحتلال الأمريكي قادت إلى تهميش المنجز الحضاري السابق.

وأصبحت فيه الثقافة سلعة زائدة في المجتمع، وهنا نتحدث عن سنوات من تهديم المدن وقطع الطرقات والأسوار الطائفية والتفجيرات الإرهابية والبطالة، بعد تعطل المعامل والزراعة وانعدام الكهرباء وخراب الطرق وتهالك المؤسسات التعليمية والصحية. انشغل المثقف، مثلما المواطن البسيط، بلقمة العيش في جو غير مستقر لا يدفع للتأمل والكتابة.

والكتابة عموما بحاجة لفسحة من الاستقرار لكي تنمو. وثمة فوضى عارمة غير مسبوقة على الصعد كافة، تشمل الحداثة وما بعد الحداثة، والتراث وإعادة قراءة التاريخ، والتسامح والتعصب، والقديم والجديد، إذ يمكن للفرد أن يجدها في روحه متجاورة، مثلما يجدها في الشارع والمدينة والبلد، وهي فوضى عجيبة لم تقع على وصلتها لحد الآن.

*ما مدى تأثير الاجتياح الأميركي على العراق ومنجزه الأدبي؟ وكيف تقيم طبيعة الكتابات النقدية والأدبية التي تصدت له بالدرس والتخييل بالاستناد إلى التجربة الإبداعية؟

 

-أحدث الاجتياح الأميركي زلزالا هائلا في بنية المجتمع العراقي، وأطلق بركان الشرور كلها. تفجرت المكبوتات الطائفية والقومية في ظل انفلات هائل بعد انهيار الدولة التام. وأصبح السلاح عنوانا لمرحلة سوداء من تاريخ العراق الحديث.

ومثلما خلخل البنية الاجتماعية بأبشع ممارسة، جرى الأمر ذاته على النشاطات الأدبية والفنية والثقافية، لأن الحياة باتت مشلولة، ولم يعد هناك سينما ومسرح ومهرجانات وفعالات مدنية طبيعية. ورافق ذلك صعود التطرف والقتل على الهوية، وعنف الاحتلال. لقد أدى عنف الاحتلال إلى قتل 11 فردا من عائلتي بصاروخين أميركيين استهدفا بيت عمي، وكان من بين القتلى أبي وعمي واثنان من أبناء أخويّ و7 من أبناء عمومتي بينهم أطفال أصغرهم لا يتجاوز عمره السنتين. تلك التجربة الخاصة مع الاحتلال وعنفه، حولتها إلى رواية عنوانها “بلاد سعيدة” وصدرت عن دار التكوين عام 2008. على صعيد الثقافة لا يذكر المواطن العراقي أي فعل ثقافي قدمه الاحتلال، كان حاضرا عبر البندقية والعنجهية الاستعمارية فقط. كان السلاح الامريكي، وعلى امتداد الحقبة الماضية، هو الحاكم الفعلي في الشارع.

 

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.