إردوغان بين أزمات الداخل والخارج.. أين سيتموضع؟

بقلم/هدى رزق

 

هل أصبح الرئيس التركي رجب طيب إردوغان هدفاً سهلاً لخصومه؟ وهل عزمت المعارضة على استكمال مواجهتها بعد فوزها في انتخابات عام 2019 البلدية؟

إثر ذلك خاضت المعارضة تجربةَ الحكم في ظل التراجع الكبير في الاقتصاد، الذي كان ازدهارُه عمادَ نجاح حزب “العدالة والتنمية” الذي ينوء تحت ثقل تراجع الاحتياطيات النقدية، وآثار أزمة “كورونا” التي عصفت بتركيا، وكشفت عورات السياسة التنموية والتطور اللامتكافئ بين واقع الحال معيشياً والمشاريع الكبرى التي يقوم بها الرئيس التركي، ناشداً عظمة تركيا، ومستعيناً بتاريخها العثماني، ونجاحه في فرض تركيا الإسلامية لاعباً إقليمياً في إثر الفتوحات الخارجية، وتكبير صورتها في زمن تراجع القطبية الأحادية في العالم، شاهراً رغبته في توسيع عضوية مجلس الأمن من أجل استيعاب القوى الإقليمية الكبرى، متوسعاً عسكرياً ومتسلحاً بـ”تيكا”، المؤسسة التنموية التي تسبقه إلى مساعدة الدول قبل طرح الدورَين العسكري والتدريبي والتحالف معها، ومحاولة نشر القواعد، عازفاً على وتر الانتماء إلى قوة “الناتو” ليبرّر توسّعه، مدّعياً أنها لمصلحة طرفين: الغرب وتركيا.

الطموحات السياسية تواجه التحوّلات

اصطدم رجب طيب إردوغان بروسيا في القوقاز وسوريا وليبيا، لكنه عملياً يشتري منها “أس 400” ويَعِد بشراء مزيد من الأسلحة بعد أن خذلته الولايات المتحدة، وهدّدته بالعقوبات، وامتنعت عن بيعه “الباتريوت” وتِقْنيات صنعه.

استغلّ محاولة انقلاب عام 2016 للابتعاد عن الغرب، فهو استشعر أنه لم يعد يريده حاكماً لتركيا الاستراتيجية. اتَّهم أعضاء في “الناتو” بالعبث بالسِّلم الأهلي التركي، وهرع إلى الاستفتاء ليصبح الرئيس الذي يمتلك كل السلطات بعد تحويل النظام إلى رئاسي. حيّد خصومه، وسجن أعداءه، ووضع يده على الجيش. لعب على تناقضات الدول الكبرى، شاهراً سيف الموقع الاستراتيجي، ومهاجماً اتفاقية البحار التي لم توقّعها تركيا، بل تعتبر نفسها ضحيتَها، ومُنادياً بحقوق تركيا في جُزر اليونان في وجه دعم الاتحاد الاوروبي لليونان وقبرص، التي يعتبر قسمها الشمالي مسؤولية تركيةً. يُمسك بأمن البحر الأسود، فيثير قلق روسيا، ويلوّح بعصا اتفاقية مونترو.

 

كل السلطات لرجب طيب إردوغان، حتى ضاقت الأحزاب السياسية به ذَرعاً. وهي تراهن اليوم، كغيرها من أحزاب المنطقة، على إنهاء ظاهرة تولّي الإسلام السياسي السلطة، وترى أن مفاعيل الحادي عشر من أيلول/سبتمبر انتهت، وجرى تدجين الإسلام السياسي من جهة، والعبث به من جهة أخرى، فأصبح “عنواناً للإرهاب”. لذلك، لا بدّ من العودة إلى الليبراليين والعلمانيين في المنطقة، وإعادة الدول الإقليمية إلى أحجامها، والدعوة إلى الانكفاء إلى الداخل، وفق قاعدة “تركيا أوّلاً”، وتحت المظلة الأميركية.

هذا ما جرى في مصر وتونس والسودان وليبيا، وتمّت العودة إلى القواعد التقليدية التي جرى استنزافها عبر “الربيع العربي” وإعادة تركيبها، على نحو يضمن اعتمادها الكلي ليس فقط على رضا أميركا، وإنما أيضاً على “التحالف الإبراهيمي” التطبيعي، ومحاولة استقطاب دول أخرى كالعراق، بعد إسقاط البندقية التي حرّرته من “داعش”. متغيّرات تكتسب طابع التحوُّل، تشهدها المنطقة بعد تلويح الأميركي بالانسحاب التدريجي إلى المحيط الهادئ، والإيحاء بأن الشرق الأوسط لم يعد جزءاً من اهتماماته. فهل حان دور تركيا؟

لم يكن خطاب الرئيس التركي إردوغان في الجمعية العامة للأمم المتحدة سوى رسالة ودّ إلى الرئيس الأميركي، فهو تمسَّك بمبيعات تركيا طائراتٍ من دون طيار لأوكرانيا، وتعهَّد عدمَ الاعتراف أبداً باستعادة روسيا شبهَ جزيرة القرم، واعتبر المسألتين حاسمتين بالنسبة إلى أمنه القومي وسلامة أراضيه. فعل إردوغان كل شيء من أجل جذب انتباه بايدن، من خلال السفر إلى نيويورك مع مستشارين كثر، على نحو غير مسبوق، وطلب ترويجاً مُكلفاً لكتابه، وافتتاحاً فخماً للمبنى المكوَّن من 36 طبقةً، والذي يُسَمّى “البيت التركي”.

كان يريد الاجتماع برجال أعمال من أجل دعم الاستثمار في تركيا، إلاّ أن بايدن خذله. لم يُخْفِ إردوغان خيبته من عدم لقائه، وصرّح بأنه يأمل في أن يتعامل معه بايدن كشريك في “الناتو”، بصداقة لا بعدائية. واعتبر أن المسار لا يبشّر بالخير، فالعلاقة ليست جيدة منذ البداية ببايدن، ولا ينفع القول إن أجندة الرئيس الأميركي كانت حبلى بالمواعيد، أو إن الكونغرس ضغط عليه من أجل عدم استقبال الرئيس التركي، أو إن خطأ إردوغان برز في عدم الاعتماد على السفراء من أجل تلطيف الأجواء. الجواب لإردوغان كان حاضراً في الشروط المصرية، عبر سلسلة مطالب من أجل استعادة العلاقة بتركيا، وفي الضغوط التي تواجهها من الانسحاب من ليبيا، وليس سَحب المرتزقة فقط، وأيضاً من تجاهل “إسرائيل” تعيين سفير تركي لديها، وبرودها في إعادة العلاقة التي كانت يوماً حميمية واستراتيجية بتركيا.

لكنّ إردوغان راهن على صداقة ببايدن كان هو نكس بها عبر خروجه من الاتفاقات المعقودة مع واشنطن في مسار “الربيع العربي”، وكان الأَولى به، بحسب الأميركي، التراجع منذ إسقاط مرسي، وليس استكمال مشروعه الخاص، وعدم قلب الطاولة على الحوار مع حزب العمال الكردستاني في الداخل. أسقط إردوغان رهانات إدارة أوباما ونائبه جو بايدن في تلك الفترة، وتعنّت. فهل حان وقت الحساب؟

الأزمة الاقتصادية تُضعف إردوغان.. ما العمل؟

تواجه أنقرة أزمة نقدية في الاحتياطيات الأجنبية والتزامات الديون المرتفعة، وجرّاء التضخم الذي زاد على حدّه. وناشدت واشنطن مباشرة من أجل مبادلة الاحتياطي الفيدرالي منذ العام الماضي، 2020. وكان الرئيس السابق للاحتياطي الفيدرالي في نيويورك صرّح بعدم شمول تركيا بمشروعه، فتراجعت الآمال في الحصول على التمويل الأميركي الذي لم يشمل تركيا، عندما أقدم في ربيع العام الماضي على توسيع خطوط مقايضة الدولار لتشمل البرازيل ونيوزيلندا وكوريا الجنوبية وغيرها من الدول من أجل دعم جهود مكافحة فيروس “كورونا”.

الأسباب كثيرة، أوّلها التحديات الاقتصادية التي تواجهها أنقرة، وعلاقتها الدبلوماسية غير المستقرة بواشنطن، بينما ما زال الرئيس التركي إردوغان يؤكد أن هناك مؤامرة على تركيا، بدأت منذ محاولة الانقلاب في عام 2016، وتفاقمت بعد نجاحه في الاستفتاء الذي أقرّ النظام الرئاسي. عدة أزمات بين واشنطن وأنقرة تسبّبت بعودة الولايات المتحدة إلى فرض عقوبات اقتصادية على تركيا، وتسبّبت العقوبات بخسائر اقتصادية ضخمة، بدءاً بانهيار العملة التركية خلال عام 2018. وفي نهاية العام، راكمت تركيا ديوناً متوسطة وطويلة الأجل بقيمة 328 مليار دولار من العملات الأجنبية، وكانت الشركات الخاصة مسؤولة عن نحو ثلثي هذه الديون.

انسحبت من تركيا استثمارات، منذ عام 2019، قيمتها نحو 5.2 مليارات دولار، بحسب البنك المركزي التركي، بينما أعلن تقرير بنك “أفرو آسيا” أن نحو 4 آلاف من أصحاب الملايين نزحوا من تركيا خلال عام 2018. وكشفت بيانات، أعلنتها وزارة التجارة التركية، إغلاق أكثر من 15 ألف شركة محلية وأجنبية في تركيا خلال عام 2018.

زاد انسحاب الشركات الأجنبية، على نحو لافت، الأمر الذي حمل إردوغان على التدخّل، ومحاولة الترويج مجدَّدا لاستثمارات وحوافز جديدة. احتلت تركيا المرتبة الثانية بين 90 دولة، ضمن أكثر الدول انكماشاً للثروات بعد فنزويلا، التي سجّلت تراجعاً سنويا بلغ 25%، بحيث تصدّرت كل من كراكاس وإسطنبول، على التوالي، قائمة أسوأ الاقتصادات في العالم. كما تراجعت أسواق الأصول التركية إلى مستويات قياسية.

المعارضة وتغيير النظام

لم تظهر الأرقام فجأة، بل إن المعارضة التركية هي التي كشفت المشكلات الاقتصادية التي تشهدها تركيا، فقامت بالتعبئة ضد الحزب الحاكم بقيادة إردوغان. وبات إسقاط إردوغان ونظامه الرئاسي، وعودة الحياة البرلمانية، هما الهدف الرئيس للمعارضة التركية. فتحت المعارضة الملفات بالأرقام منذ الانتخابات البلدية عام 2019، وكشفتها في وسائل الإعلام العالميّة. وكانت الشركات، التي مكّنت إردوغان من تحقيق الطفرة الاقتصادية في قطاع البناء، شهدت تدهوراً في ميزانيتها العمومية مع هبوط الليرة التركية. أقال إردوغان ثلاثة من صُنّاع السياسة في البنك المركزي، فارتفع الدولار الأميركي إلى 9.2 ليرات، وبدأت عمليات هروب صغيرة من الدوائر الحاكمة. لا أحد يريد تحمُّل المسؤولية.

أدّى تراجع الثقة بسياسات أنقرة الاقتصادية إلى تغذية الدولرة، بحيث يحافظ الأتراك على مدَّخراتهم بالدولار. يعتمد الاقتصاد بشدة على الواردات، ويعارض إردوغان التشدّد النقدي لمواجهة التضخم. يريد أن يرى أسعار الفائدة تنخفض بسرعة من أجل تحفيز النمو من خلال توسيع القروض وزيادة الاستهلاك. إنه يعتمد على النموّ من أجل إرضاء المظالم الاقتصادية للجماهير، وترميم دعمه الشعبي. ومع ذلك، فإن التضخم الجامح يقف في طريقه، مدفوعاً بانخفاض الإمدادات الغذائية والمشاكل الهيكلية في القطاع الزراعي.

أدى الارتفاع في الأسعار العالمية للطاقة والمواد الخام أيضاً، في خضم وباء “كورونا”، إلى مزيد من المشكلات. كلما فشل إردوغان في كبح جماح الأسعار، زاد الخطر على بقائه السياسي.

لا يعرف الرجل التراجع، وسياسته الخارجية تؤثّر في سياسته الداخلية على نحو مطّرد. علاقته بالرئيس الروسي، في اللقاء الأخير بينهما في سوتشي، كانت بائسة. لم يستطع الوفاء بوعوده التي قطعها لروسيا قبل سنتين، بل هو يهدّد بعملية ضد “قوات سوريا الديمقراطية” (“قسد”) باعتبارها إرهابية، ويخشى أيّ تدفُّق للاّجئين إلى الداخل المأزوم اقتصادياً، في الوقت الذي يفقد شعبيته على أبواب الانتخابات عام 2023. نسي حكمة داود أوغلو الذي كان يقول: كلّما اقتربت أميركا وروسيا، إحداهما من الأخرى، كان وبالاً على القوى الإقليمية. فأين سيتموضع إردوغان؟

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.