مسرحية  “ذئاب منفردة”.. تعرية الزيف بالكوميديا السوداء

 

المراقب العراقي/ متابعة…

تطرح مسرحية ”ذئاب منفردة“ لمخرجها التونسي وليد الدغسني قضايا اجتماعية فلسفية بأسلوب الكوميديا السوداء، وتغوص في خبايا الذات وتفاصيل الشخصية التونسية ومن ورائها الإنسانية بكل تناقضاتها والضغوط التي تواجهها والقلق الذي تعيشه فيدفعها إلى الاغتراب وحتى التشدد.

والمسرحية التي أنتجها مركز الفنون الدرامية والركحية بالكاف نهاية عام 2019 بدأت تخطف الأضواء مع عودة النشاط الثقافي ومشاركاتها في مهرجانات ومسابقات عربية، حيث استأثرت بمعظم الجوائز الخاصة بالدورة الـ19 لمهرجان صيف الزرقاء المسرحي بالأردن وتوّجت ”ذئاب منفردة“ بجوائز أفضل ممثل أول (منير العماري) وأفضل ممثل ثان (وليد الخضراوي) وأفضل ممثلة أولى (شيراز العياري)، وكذلك أفضل سينوغرافيا التي آلت لمحمد الهادي بالخير.

وفي هذه المسرحية يشتغل المخرج وليد الدغسني على جملة من المتناقضات ويمسك بتلابيب الإنسان المعاصر ليهز تفكيره ويرّج كيانه ويكشف زيفه ونفاقه ويعرّي قبحه ووحشيته في ملاحقه غرائزه ومصالحه، رغم أنّ عصر التواصل الحقيقي والافتراضي بين الناس في ظل الثورة التكنولوجية والرقمية يتيح للبشر الاقتراب من بعضهم بعضا ظاهريا.

ولكن الحقيقة التي يسعى المخرج إلى كشفها أنّه خلافا لهذا المظهر الزائف فقد نمت في الإنسان النزعة الفردانية وتفاقمت في طبعه الأنانية حتى صار الإنسان أقرب إلى الذئب الذي يبطش بأخيه الإنسان إن هو اختلف معه في الفكر أو كان عقبة في طريق مصلحته الذاتية.

والمسرحية لا تخلو من طرح فلسفي، فهي تعالج تلك النفسية القلقة والمضطربة والمتوجسة لإنسان يعيش في عالم ظاهره لا يعكس باطنه وفي زمن طغت فيه الأنانية والمصالح الذاتية وتفوقت على قيم الإنسانية والتضامن والتراحم، فانحرف الإنسان فيها عن طبيعته الخيّرة إذا افترضنا أنها كذلك لينتصر لرؤية الفيلسوف الإنجليزي الشهير توماس هوبز ”الإنسان ذئب لأخيه الإنسان“.

ومن هذا المنطلق تتوغّل المسرحية في تعرية الإنسان المعاصر بطريقة أقرب إلى الكوميديا السوداء، وتصوّر ما يحدث في الحياة العامة من نفاق وتحايل وتردّ أخلاقي يبدأ من الطبقة السياسية وصولا إلى عامة الناس، ما خلق حياة مجتمعية قلقة ومترددة تنعدم فيها ثقة كل فرد بالآخر، وتتجذر فيها الطباع المتوحشة التي تدفع بالإنسان إلى التعصب والتمسك برأيه ورؤيته للأشياء وإلى التطرّف والعيش داخل عالمه الفردي منغلقا على ذاته وأفكاره.

والمسرحية، لا تكتفي بنقل هذا القلق وكشفه، بل إن مخرجها سعى أولا إلى التعبير عن ألمه وهو يرى هذا الانهيار القيمي المجتمعي، وثانيا إلى ترميم هذا الواقع المتداعي ومحاولة إعادة إنتاج إنسان أكثر توازنا وقدرة على تقبل الآخر.

وتمثل ”ذئاب منفردة“ التجربة الثامنة في مسيرة المخرج وليد الدغسني، الذي قال إنّ هذا العمل يمثل ثراء في جانبه الفني والاجتماعي، تاركا للمتلقي دور تفكيك الشفرات التي تضمنتها المسرحية وإعادة بنائها مجددا في ذهنه بالطريقة التي فهمها وأضاف أنه قدم مقاربة فنية جمالية ويبقى الدور للمتفرج للقيام بقراءته الذاتية والتفاعل مع هذا العمل.

 

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.