وجع  الاغتراب في  “امرأة من كرزٍ وعسل”

 

 

المراقب العراقي/ المحرر الثقافي…

يرى الناقد جمعة عبدالله إن  وجع  الاغتراب يظهر بشكل جلي  في المجموعة الشعرية “إمرأة من كرزٍ وعسل” للشاعرة ذكرى لعيبي لكونها  تعيش بعيدا عن وطنها العراق ومدينتها العمارة منذ سنوات طوال.

وقال عبدالله في قراءة نقدية خص بها (المراقب العراقي): ان التجربة الذاتية التي تنطلق من صدق أحاسيس  الوجدان , بدون شك انها تلعب دوراً هاماً في صياغة النص الشعري , بما يكشف عن معاناة المكنون الداخلي للروح , من مشاعر وانفعالات عاطفية وكذلك ردات الفعل المضاد أو المقابل . والمجموعة الشعرية غطت مساحات واسعة  على سيميائية الثيمات المتناولة  ( بالدلالة والإشارة ) عن معاناة الانثى , أو بالتعبير الدقيق معاناة المرأة العراقية بشكلها الخاص والعام , لأن ( الأنا ) الشعرية الذاتية  تمزج همومها واحزانها في خصوصية المرأة بشكل عام , في الواقع الاجتماعي , الذي يحمل تجاه المرأة الظلم والاجحاف والحيف , مما يخلق معاناة متعددة الاطراف كاطراف الاخطبوط , حتى تخلق طعم المرارة المريرة , بما يخص كيانها وانسانيتها نحو الانتهاك الصارخ .

 وأضاف : ان الشاعرة ( ذكرى لعيبي ) تربط ( الانا ) الحسية أو الذاتية مع ( الانا ) العامة للمرأة العراقية , اي تربط الخاص بالعام , في تسليط الضوء على واقع الانتهاكات بحق المرأة , وتحاول أن تكشف جدار الواقع الاجتماعي الصعب والمعقد , الذي يحسب أنفاس المرأة , ويحاول أن يجد ثغرة حتى لو بسيطة حتى يتوغل من خلالها  ويوظفها في حالة التهويل اكثر من حجمها المنطقي والمعقول , من أجل هدم  كيان المرأة ليجعله  مرتع الاحزان  والخيبة والانكسار .

وتابع: من هذا الواقع نجد المرأة تصارع في وجودها : الظروف والزمن القاسي ( يكتبني القدر قصيدة )  , لكنها تحاول عدم الاستسلام رغم علقم المرارة , وتحاول أن تجد لنفسها مكاناً ضمن الرقعة الاجتماعية . تحاول أن تكون مثل  الاسفنجة في امتصاص الأجواء الملبدة بالغيوم , المشحونة في تهديد كيانها وإنسانيتها.  وتحاول أن ترتب ايامها وزمانها ( ارتب أيامي الباقيات ) وتحاول أن تخلق لنفسها الحلم وتطرزه كما تطرز ضفائرها بالاشرطة الملونة الحالمة بالاماني , , لكي تنطلق كيمامة سومرية في أرض الرافدين . تنطلق كيمامة من مدينة الولادة ميسان ( العمارة ) الى كل العراق.  وترى المرأة والوطن جسد واحد لاينفصل  , فحين يقع الظلم والمظلومية على أحدهما  يتأثر مباشرة بنفس الظلم والاجحاف والاشجان الطرف  الآخر  ( كلانا وطن ) , هذا الارتباط الروحي بين المرأة والوطن , هو صراع من أجل الوجود والبقاء, هذا الزخم العالي , فأن وجع  الاغتراب الروحي يقع على الوطن والمرأة معاً. وكلا الطرفين يحلم بالامل والنور في رحابها العالي , وكلما يكون الوطن زاهياً بالنور ينعكس مباشرة على واقع المرأة , بهذا الشكل تحرث النصوص الشعرية للمجموعة ( إمرأة من كرزٍ وعسل ) . ولكن نجد مساحات  واسعة للحب المفقود في مدلولاته البليغة .

وواصل :على  الرغم من أن قلب المرأة يحتل مكاناً واسعاً للحب والعشق والوفاء في اغصان الحنين . رغم أنها تتطلع ان  تكون يمامة عشتارية سومرية تطير بلا انتهاء , من اجل ان تجد العش أو الكتف  لكي تتكئ , لتجد القلب لكي تتدفئ  فيه , لتذويب حزن الاغتراب الداخلي . حتى لا يكون  قاموس الحب عبارة  : الحاء : حزن . والباء :  بكاء .

وأكمل: لو نطق الحزن لكشف حجم المعاناة المتكلسة في الإحساس  الداخلي في عذابات الروح , لتجعلها إمرأة الدمع والاحزان . أم الصبر تحيا وتموت على محبة الله , فهي سيدة الورد والصباح , تحاول ان تصمت أمام الدهر , كي لا يرحل قلبها الى الأمس الحزين . فهي أحلامها  صغيرة جداً .

وأوضح : ان هذا الحنين المرهف في شغافه في الشوق والحنين الى مرحلة الطفولة . لانها كانت كالزهرة الياسمين في شرائطها الحريرية . عكس مراحل العمر الاخرى تتزاحم فيها الاحزان والاشجان , ويدفعها الى الخناق ومأزق الضيق والشدة والكدر . تتذكر أيام الطفولة بحلاوتها وبرائتها وطيبة سذاجتها . لم تتجرع كأس الحنظل بالحب المزيف المشبع بغرور ( الانا ) المتكبرة  , ولهذا تتمنى لو ترجع الى ايام الطفولة ,  لكي تلقي رسمه في الماء عله  يشفى ويتطهر , لو عادت الى طفولتها لجمعت سجائره  المبللة ونثرت عليها مطرها علها تجف وتحترق ،غريبة الروح تعاني هموم  الاغتراب الداخلي والخارجي  والتبعثر , أن تنزع ذاكرتها عند سراب الحدود والغربة  ,وتقترب من وهم الحكايات, لتغسل يديها بتراب المحبة . لتضع بصماتها فوق  الأبواب باسم الله وتقول : يا الله ودعتك قلبي وأحبتي . . يا الله ودعتك وجودي .

وختم :يبقى العراق الهم الاكبر فهو الحبيب والصديق وليس سواه  . يبقى العراق رياح الشوق والحنين تداعب نبضات القلب . يبقى العراق الامل , حتى لو خرج من رماده وكفنه ولحده , يبقى ترابه نقياً , رغم الاحزان وجريان انهار الدماء , رغم الجو المشحون بالرصاص الطائش , لابد أن  يصحو العراق ويضحك على الموت والدهر اللعين . يبقى شهداء العراق ازهار الامل القادم , يبقى العراق حياً رغم الغدر والامهات تنوح على فلذات اكبادها الشهداء , ليس لنا سوى عراق لا يموت ،يبقى العراق وسادة الغريب عن الوطن وعلى رصيف المنفى , والشوق يهز القلب بالحنين الى الوطن الى مدنه الساكنة في القلب من ميسان وزاخو وكربلاء .

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.