خيارات الدفاع عن قضية الأسرى الفلسطينيين

 

بقلم/وسام أبو شمالة..

 

تُعتبر قضية الأسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال الإسرائيلي، من أكثر القضايا تأثيراً في المشهد الفلسطيني. فمنذ النكبة الفلسطينية عام 1948، دخل سجونَ الاحتلال أكثرُ من ثلث الشعب الفلسطيني، أي ما يزيد على 800 ألف مناضل/ة، وما نسبتهم 25% تقريباً من مجموع الشعب الفلسطيني.

تعدَّدت وسائل الدفاع عن قضية الأسرى الفلسطينيين داخل سجون الاحتلال الإسرائيلي، وأخذت أشكالاً متنوّعة، وأنماطاً متعدِّدة، وفقاً للأهداف المُراد تحقيقها.

نفّذت المقاومة الفلسطينية عشرات عمليات الأَسر لجنود الاحتلال، ونجحت من خلالها في تحرير آلاف الأسرى، وما زالت حركة “حماس” تحتفظ بعدد من الجنود الذين أَسرهم جهازها العسكري، “كتائب القسام”، منذ نحو سبعة أعوام. وتَجري مفاوضات غير مباشِرة بين الاحتلال والحركة، عبر وسطاء عرب وأجانب، من أجل التوصُّل إلى اتفاق تبادل للأسرى، على غرار صفقة التبادل التي أُطلق عليها “وفاء الأحرار”، واحتفل الشعب الفلسطيني بذكراها العاشرة في 18 تشرين الأول/أكتوبر الجاري، وتحرَّر بموجبها أكثر من 1000 أسير فلسطيني، من ذوي الأحكام العالية، وممّن أمضوا عشرات السنين في سجون الاحتلال، ومن أبرزهم يحيى السنوار، قائد حركة “حماس” في قطاع غزة، وأعضاء من قيادة الحركة، منهم، روحي مشتهى وتوفيق أبو نعيم وزاهر جبارين وحسام بدران وموسى دودين، وغيرهم عشرات القادة، من المستويَين السياسي والعسكري، ومن كلّ الفصائل الفلسطينية.

وفي إطار المفاوضات الجارية، تقدَّمَت حركة “حماس” بخريطة طريق من أجل التوصُّل إلى اتفاق تبادل الأسرى. ويبدو أن العائق الأبرز أمام إنجاز الاتفاق، هو طبيعة حكومة الاحتلال غير القادرة على اتخاذ قرارات صعبة، وتخشى تداعيات هذا القرار على استقرار الحكومة. وأدقّ وصف للحكومة الإسرائيلية الحالية أنها حكومة جمود، الأمر الذي يعني بقاء ملف التبادل متعثراً، وهو ما قد يدفع قيادة المقاومة إلى البحث عن خيارات ضاغطة على الاحتلال، منها تنفيذ عمليات أَسر جديدة. وهذا ما يخشاه جيش الاحتلال الإسرائيلي.

يسعى الأسرى لتحقيق عدد من المطالب، أبرزها: وقف سياسة الضرب والاعتداء عليهم، ووقف سياسة العزل الانفرادي، وإلغاء سياسة الاعتقال الإداري (اعتقال يمتدّ عدةَ أشهر، ويُجَدَّد ليصل إلى عدة سنوات من دون محاكمة أو توجيه تُهَم)، وتخفيض الاكتظاظ داخل غرف الأَسر، وإلغاء القيود المُذلّة عليهم، والسماح بإدخال المواد التثقيفية والقرطاسية، وتحسين ظروف زيارات أهاليهم، وغيرها من الحقوق والمطالب المشروعة.

نجحت تجربة الحركة الأسيرة، عبر تاريخها، في نيل عدد من حقوقها، وانتصرت على السجّان في أغلبية معاركها. ولم تَنَل سياساته من عزيمتها وكرامتها. ومن أبرز إنجازاتها: إدخال المذياع للسجون، وتنظيم فترات للتواصل الهاتفي بين الأسرى وأهاليهم، عبر هاتف عمومي، والتخفيف من الازدحام، وتحسين الإنارة والتهوئة، وتحسين مستوى الطعام، وغيرها من المكتسَبات.

تَجَلّت انتصارات الأسرى في ما تحقَّقَ مؤخَّراً، بعد أن خاض 250 أسيراً من أسرى “الجهاد الإسلامي” إضراباً عن الطعام، بدعم من كلّ الفصائل، بعد أن استهدفت إدارة سجون الاحتلال، منذ السادس من أيلول/سبتمبر الماضي، أي تاريخ عملية “نفق الحرّيّة”، أسرى “الجهاد الإسلامي”، من خلال نقلهم وعزلهم واحتجازهم في الزنازين، عدا عن نقل مجموعة من القيادات إلى التحقيق. ونجحت الحركة الأسيرة في تحقيق مطالبها، وإلغاء القرارات الإجرامية ضدهم.

خلال أغلبية محطات النضال، التي خاضتها الحركة الأسيرة، عبّر الشعب الفلسطيني عن تضامنه معها، عَبْرَ المَسيرات والمقاومة الشعبية، في مختلف أشكالها. وأعلنت فصائل المقاومة أن المساس بالأسرى وحقوقهم، يعني إشعال المواجهة العسكرية مع العدو، إلى جانب تفعيل الأدوات الدبلوماسية عبر الوسطاء، من أجل تحميل الاحتلال المسؤوليةَ عن تبعات سلوكه ضد الأسرى.

وعلى الرغم من عدم ثقة الفلسطينيين بالمجتمع الدولي، ومؤسساته المتعددة، فإنّهم ينظّمون اعتصاماً أسبوعياً أمام مقر الصليب الأحمر في مدينة غزة، من أجل إيصال صوتهم ومطالبهم المشروعة، وتحديداً حقهم في زيارة أبنائهم.

ومن اللافت، ما صدر عن اجتماع البرلمان العربي مؤخَّراً، من مطالبة المقاومة الفلسطينية بأن تشمل صفقة تبادل الأسرى المقبلة، الأسرى العربَ في سجون الاحتلال، وهو ما اعتُبر ثقة بخيارات الشعب الفلسطيني، وانعكاساً لعجز الخيارات العربية الرسمية تجاه قضاياها الوطنية والقومية.

تعدّدت أساليب النضال الفلسطينية تجاه قضية الأسرى، وتراوحت بين الخيار العسكري لتحريرهم عبر صفقات التبادل، وهو الخيار الذي ثبت نجاحه، وبين خيار التحرر الذاتي عبر حفر أنفاق الحرية، بالإضافة إلى مطلب التحرُّر عبر مفاوضات التسوية (اتفاقية أوسلو)، والذي ثبت إخفاقه، إلى جانب العمل على تثبيت حقوق الأسرى الإنسانية، بعد سلسلة من معارك الأمعاء الخاوية، والمقاومة الشعبية المُسانِدة، والتهديد والتلويح بالتصعيد العسكري من جانب المقاومة، في حال استمرت معاناة الأسرى وحرمانهم من حقوقهم. وهذا الأسلوب تأكَّدَ نجاحه في أغلبية المحطات.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.