نبي الله الذي جُمع في نسله الملك والنبوة

داود (عليه السلام)

 

 

ينتهي نسب داود للنَّبي إبراهيم عليه السَّلام، وقد جُمع في نسله -عليه السلام- الملكَ والنُّبوة ولم تجتمع لغيره، لقد ذُكر في الكتب أنَّ داود هو أصغر إخوته ويملك اثني عشر أخًا، وكان بارعًا جدًا بالقذف بالمقلاع.

وسمع مرَّة نداء طالوت أنَّ من يقتل جالوت سيزوجه ابنته وينصِّبه ملكًا، وإذ بحُصيَّات تتحدث للنَّبي داود بأن يقتنيها ففيها قتل جالوت، فالتقطها وأدارها بمقلاعه وقتل جالوت بها وتزوَّج ابنة طالوت وتنصَّب ملكًا على بني اسرائيل الذين أحبُّوه لعدله وحكمته، فقد أوتيَ بالإضافة للنُّبوة والملك الحكمةَ في فصل الخصام بين المدَّعين.

وقد آتاه الله سلسة معلقة من السَّماء لتساعده في القضاء بين النَّاس، وما كان يميِّزه هو جمال صوته وترنُّمه أثناء القراءة، حتَّى قيل أنَّ من يسمع صوته لا يستطيع الابتعاد عنه، وقد اتَّسم بالقراءة السَّريعة لكتابه مع التَّأمل والتَّرنم، فقد كان يقرأ الزَّبور بينما يُسرج له خيله، والزَّبور هو كتاب داود عليه السَّلام.

وقيل أنَّ عمره كان ستين سنة ولكنَّ النَّبي آدم -عليه السَّلام- طلب من الله يزيد في عمره أربعين سنة ويأخذها من عمره، وبهذا عاش النَّبي داود مئة سنة، ومما ورد عن مدة ملكه أنَّها أربعين سنة ولم يرد في نصوص الأحاديث ما يكذب هذا أو يصدِّقه، وتوفي يوم السَّبت وأظلَّته الطُّيور بأمرٍ من نبي الله سليمان بن داود عليه السَّلام.

ومن المعروف عن الحرث أنَّه الأرض التي تنتج الزَّرع والمحصول بعد حراثتها من قبل الإنسان والتَّعب عليها، وقد رُفعت للنَّبي داود -عليه السلام- قضية خصومةٍ مفادها أنَّ أغنام أحد الأشخاص قد عاثت فسادًا بمزروعات أحد الحقول وقيل أنَّها عناقيد من عنب، فقضى داود -عليه السلام- لصاحب الزَّرع بالماشية والأغنام، ولكن أشار القرآن الكريم إلى أنَّ حكمه لم يصب الحق، وهذا ليس قدحًا بشخصيَّة النَّبي إنَّما هو يبقى بشر قد يُخطئ وقد يُصيب.

ومن استطلع الحكم في قضية الحرث هو النَّبي سليمان بن داود -عليهما السلام- وكان ذلك بفضل الله وتوفيقه حينما قال تعالى: {فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ}، فهنا إشارة إلى أنَّ قدرته على حلِّ القضية إنَّما هي توفيق من الله وهداية، وقد كان حكم النَّبي سليمان -عليه السلام- في قضية الحرث، أن يأخذ صاحب الزَّرع الماشية فيستفيد من صوفها وأوبارها وألبانها، ريثما يقوم صاحب الماشية بحراثة أرضه وتعهد زرعه حتى يعود كمان كان، ليسلم صاحب الزَّرع زرعه ويستلم هو ماشيته.

وقد وافق والده على هذا الحكم لأنَّه رأى فيه العدل وتحقيق الحق، ورغم أنَّهما هما الاثنان أوتيا العلم والحكمة، إلَّا أنَّ هذا لا يمنع أنّ يفوق أحدهما الآخر الحكمة والعلم ولذلك كان فيه قوله تعالى ففهمناها سليمان.

ولقد ورد في قصة دخول ملك الموت على نبي الله داود حديث قال فيع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): “إنَّ داودَ عليه السَّلامُ كان رجلًا غيورًا وكان إذا خرج أغلق الأبوابَ فأغلق ذاتَ يومٍ وخرج فأشرفت امرأتُه فإذا هي برجلٍ في الدَّارِ فقالت: من أدخل هذا الرَّجلَ ؟ لئن جاء داودُ ليلقيَنَّ منه عناءً , فجاء داودُ فرآه فقال من أنت؟ فقال أنا الَّذي لا أهابُ الملوكَ ولا يُمنَعُ منِّي الحجابُ فقال: فأنت واللهِ إذًا ملكُ الموتِ وزمَل داودُ عليه السَّلامُ مكانَه”.

وتبدأ قصة داود مع طالوت وجالوت منذ أن أوحى الله لنبيه أنَّ هناك غلاما سيقتل جالوت وسيكون الملك، وآية ملكه أن يفيض الماء من قرن يضعه النَّبي على رأسه، واتَّفقت هذه العلامات مع داود -عليه السلام- وكان وقتئذٍ راعيًا للأغنام، ولما أمر الله تعالى طالوت أن يغزو أهل مدين ويقتلهم جميعًا خالف طالوت أمر ربه وأبقى ملك مدين حي. فعاقبه الله بنزع الملك منه وجعله في داود عليه السلام، وذلك بعد أن برز طالوت بجيشه وجالوت بجيشه، فقال جالوت لطالوت بارزني أو أخرج من يبارزني وإن قتلني فله ملكي، فبرز داود لجالوت في المعركة فقتله، واجتمعت بني اسرائيل حول داود -عليه السلام- وأحبَُّوه، فآتاه الله الملك والنُّبوة.

وتضمّنت قصته -عليه السلام- العديد من الأمور التي تسترعي الانتباه والاهتمام خاصةً فيما يتعلق بالجانب الإيمانيّ وأثره القوي على النفس البشرية حيث يكون الحافز والمحرك لمواجهة كافة أشكال ومظاهر الجبروت والطغيان كما فعل داود -عليه السلام- مع جالوت، كما تضمَّنت السورة: تكريم الله لأنبيائه في الدنيا والآخرة، وقد كان تكريم الله لداود -عليه السلام- لأنَّه أواب وتائب. الإيمان الصادق والثقة بالله هي سلاح المؤمن والذي سيجزيه الله عليه كلَّ خير. استحباب التحلي بمكارم الأخلاق وخاصة في القضاء وفصل الخصام فيجب عدم اتِّباع الهوى. التشجيع على العمل وكسب القوت بالحلال من العمل الدؤوب والجاد كما كان يفعل داود عليه السلام.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.