الحرب النظيفة.. حرب الرقائق الإلكترونية والخطر الداهم

 

بقلم/جيرار ديب..

 

دقّ باتريك غيلسنغر، رئيس شركة “إنتل” لصناعة الرقائق، ناقوس الخطر، بقوله “إن الأسوأ في صناعة الرقائق لم يأتِ بعد”، إذ توقع “استمرار الأزمة لمدة عام أو عامين قبل أن تعود الإمدادات إلى حالاتها الطبيعية“.

حرب الرقائق الإلكترونية هي الحرب الجديدة التي تخوضها صناعات الشركات المتعددة الجنسيات في العالم. بالطبع، لا توجد فيها أسلحة وجنود، وهدفها هو السيطرة على تلك الرقائق الإلكترونية، لكن إن لزم الأمر، فستصبح كل الوسائل متاحة فيها للوصول إلى الهدف.

إن غياب قطعة واحدة من هذه الرقائق في تصنيع سيارة قد يوقف خطّ إنتاج بالكامل. إنها قطعة بحجم صغير تستخدم لتشغيل كل السلع الإلكترونية الحديثة، وعلى رأسها صناعة الأجهزة الإلكترونية، كالهواتف النقالة وغيرها.

لذا، إنّ شدّة الطلب العالمي من قبل الشركات العملاقة على هذه الرقائق، قد تدفع شركات دول العالم الكبرى إلى اعتماد الخيار العسكري، بسبب الخسائر المادية والمعنوية التي تتكبّدها نتيجة فقدانها، فهل نقل الحرب من الشرق الأوسط إلى المحيط الهادئ، وتحديداً إلى جنوب شرقي آسيا، يهدف إلى فرض الهيمنة على مصادر هذه الرقائق؟

لهذا، إنَّ سعي الصّين لفرض السّيطرة على تايوان يتعدّى اليوم صلب مشكلة اعتبارها مقاطعة منشقّة عنها ويجب إعادة ضمها إلى البرّ الصيني، ليصل إلى السيطرة على مصدر إنتاج الرقائق الإلكترونية.

ما يحدث الآن يكشف بوضوح أن التحكّم في تصنيع الرقائق الإلكترونية المتطورة يعدّ في القرن الواحد والعشرين بمنزلة التحكّم في إمدادات النفط في القرن العشرين، إذ يمكن للدّولة التي تسيطر على تصنيع تلك الرقائق أن تضعف وتخنق القوتين العسكرية والاقتصادية للآخرين. وقد فعلت الولايات المتحدة في عهد الرئيس السابق دونالد ترامب ذلك مع الصين، من خلال الحدّ من قدرة شركة “هواوي” على الاستعانة بموردين خارجيين، أبرزهم شركة “تي إس إم سي” التايوانية، ما ترك بصمة سلبية على أداء شركة “هواوي” العملاقة.

أكّد البروفيسور ويلسون دين، أستاذ الاقتصادات الآسيوية، “أن الموضوع لا يتعلَّق بإنتاج الرقائق الإلكترونية، وإنما بالصراع المقبل بين الصين والولايات المتحدة للهيمنة على الفضاء. تلك الهيمنة تتطلّب من الفائز أن تكون لديه قدرة أعلى من منافسيه في جمع البيانات وتحليلها ومعالجتها بأسرع ما يمكن. لهذا السّبب، تنفق كلّ من الصين والولايات المتحدة الكثير من الأموال على أجهزة الكمبيوتر الفائقة السرعة، وجميعها تتطلّب رقائق الكمبيوتر.

لم تعد الحرب التقليديّة غاية بحدّ ذاتها لفرض السيطرة وبسط النفوذ، بل أصبحت الوسيلة للوصول إلى الغاية هي مصدر تصنيع الرقائق الإلكترونية. إنّ عالم اليوم، في زمن العولمة، لم يعد فيه للمكانية أهمية، بقدر ما هناك أهمية للوصول إلى المعلومة وكيفيّة تدفّقها عبر الفضاءات اللامحدودة، والتي هي أساس كلّ حرب مستقبليّة بين الصين والولايات المتّحدة.

من وادي السيليكون في الولايات المتحدة الأميركية، اشتعلت الحرب الجديدة من دون نار، فهي “الحرب النظيفة”، كما سمّاها بعض النافذين في مواقع القرار الأمني والعسكري في إدارة الرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما. تستغلّ واشنطن الضعف الصيني النسبي في امتلاك تكنولوجيا الرقائق الإلكترونية لزيادة مستوى الضغط على الصين في سياق الحرب الاقتصادية بين الطرفين؛ فالولايات المتحدة وحلفاؤها تايوان وكوريا الجنوبية يسيطرون على القطاع الأكثر تطوراً في هذه الصناعة. أما الصين، فهي لا تزال تستوردها من الخارج، وتنفق عليها أكثر مما تنفق على وارداتها النفطيّة. لهذا، يبقى السؤال: هل ستقف الصين أسيرة الابتزاز الأميركيّ في موضوع الرقائق أو ستعتمد على قوّتها العسكرية لضمّ جزيرة تايوان إلى أراضيها رغم معارضة الدول الغربيّة؟

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.