ماذا تعرف عن دور أمير المؤمنين (ع) في غزوة بني النضير؟

 

تمر علينا في مثل هذه الأيام غزوة بني النضير التي وقعت في عام 4 للهجرة، وذلك بعد أن طلب منهم النبي محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) إعانته على دية قتيلين فأرادوا الغدر به، وفيها تم إجلاء اليهود عن المدينة، ونزول سورة الحشر في بيان هذه الغزوة، وفيها قال النبي (ص): «علي إمام البررة، وقاتل الفجرة، منصور مَن نصره، مخذول مَن خذله».

حيث غزا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بني النضير في شهر ربيع الأول سنة أربع على رأس سبعة وثلاثين شهراً من مهاجره.

وبنو النضير هم فخذٌ من جذام إلّا أنَّهم تهوَّدوا، ونزلوا بجبل يقال له: النضير، فسُمُّوا به.

وجاء في سبب هذه الغزوة: أنَّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) مشى إلى كعب بن الأشرف ووجهاء بني النضير، يستقرضهم في دية الكلابيين اللذين قتلهما عمرو بن أُمية الضمري، فقالوا: نعم، نعينك على ما أحببت، ثُمَّ خلا بعضهم ببعض وتآمروا على قتله، فنزل جبرائيل (عليه السلام) وأخبره بما همَّ به القوم من الغدر، وأخبر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أصحابه الخبر، وأمر المسلمين بحربهم، ونزل بهم، وكانت رايته مع عليِّ بن أبي طالب (عليه السلام)، فتحصَّن اليهود في الحصون، وأرسل إليهم عبدالله بن أُبي وجماعة معه أن اثبتوا وتمنَّعوا، فإنَّا لن نسلمكم.

وروي أنَّ الإمام عليا (عليه السلام) فُقد في إحدى ليالي حصار بني النضير، فقال رسول الله: “إنَّه في بعض شأنكم” وبعد قليل جاء عليّ برأس “عزوك” أحد أبطال بني النضير، وقد كمن له الإمام حتى خرج في نفر من يهود يطلبون غرَّة من المسلمين، وكان شجاعاً رامياً، فكمن له عليٌّ (عليه السلام) فقتله، وفرَّ اليهود، فأرسل نبيُّ الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أبا دجانة وسهل بن حنيف، في عشرة من رجالات المسلمين، فأدركوا اليهود الفارِّين من سيف الإمام عليٍّ (عليه السلام)، وطرحت رؤوسهم في الآبار، وقذف الله في قلوبهم الرعب، فسألوا النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يُجليهم ويكفَّ عن دمائهم ـ بعد أن خذلهم ابن أُبي ـ فبعث رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) محمَّد بن مسلمة إليهم: أن يخرجوا من بلادهم ولهم ما حملت الإبل من خُرثي متاعهم، ولا يخرجون معهم بذهب ولا فضة ولا سلاح، وأجّلهم في الجلاء ثلاث ليال.

وسكن بنو النضير يثرب (المدينة) قبل ظهور الإسلام وقد وردت عدة روايات تتحدث عن أصلهم، ومنها ما قاله اليعقوبي: أنهم فخذ من قبيلة جذام إلا أنهم تهودوا ونزلوا بجبل يُقال له النضير، فسموا به، وروى آخرون أن كلا من بني النضير وبني قريظة ولد الكاهن ابن هارون بن عمران أخي موسى بن عمران وكانوا نزولا بنواحي يثرب بعد وفاة موسى بن عمران (عليه السلام).

وروى المؤرخون: إنَّ اليهود بعد غزوة أحد أخذوا يتصلون بالمنافقين والمشركين من أهل مكة سرا، ويعملون لصالحهم ضد المسلمين إلى أن حدثت وقعة الرجيع وبئر معونة حيث قاموا بمؤامرة تهدف القضاء على النبي (ص)، ولما أخبره جبريل (عليه السلام) بالمؤامرة بعث لهم محمد بن مسلمة ليقول لهم: اخرجوا من المدينة ولا تساكنوني بها، وقد أجلتكم عشرا، فمن وجدت بعد ذلك بها ضربت عنقه.

وروى المؤرخون: أنه لما وصل يهود بني النضير خبر الجلاء فأخذوا يتجهزون للجلاء فأرسل إليهم عبد الله بن أُبي يقول: لا تخرجوا فإن معي من العرب وممن انضوى إليَّ من قومي ألفين، فأقيموا فهم يدخلون معكم وقريظة تدخل معكم، فأرسل حيي بن أخطب – وهو سيد بني النضير – جوابه للنبي الأكرم (ص) قائلا: إنا لا نُريم دارنا فاصنع ما بدا لك.

وأرسل حيي بن أخطب أخاه جدي بن أخطب ليُبلغ النبي (ص) جوابه، فجاء إلى رسول الله وهو جالس مع أصحابه فأخبره فكبّر (ص) وكبّر أصحابه وقال: حاربت اليهود، وسار رسول الله في أصحابه فصلّى العصر بفضاء بني النضير، فلما رأوه وأصحابه قاموا على جُدُر حصونهم، معهم النبل والحجارة، واعتزلتهم قريظة فلم تعنهم بسلاح ولا رجال ولم يقربوهم.

وجعل بنو النضير يرمون المسلمين بالنبل والحجارة حتى أمسوا، فلما صلى رسول اللَّه (ص) العشاء – وقد تتام أصحابه – رجع إلى بيته في عشرة من أصحابه، وعليه الدرع والمغفر وهو على فرس، واستعمل علياً (عليه السلام) على جيش المسلمين، وحملت مع رسول اللَّه (ص) قبة أدم أرسل بها سعد بن عبادة، فنصبها بلال ودخلها رسول اللَّه (ص)، فرمى عزوك – من اليهود – فبلغ نبله القبة، فحوّلت حيث لا يصلها النبل وفي بعض الليالي كمن علي (عليه السلام) لـ(عزوك) حتى خرج في نفر من اليهود وكان شجاعا راميا، فشدّ عليهم علي (عليه السلام) فقتله، وفرّ اليهود، وجاء برأس عزوك لرسول الله (ص).

وحاصر المسلمون بني النضير ثلاثة وعشرين يوماً وأمر النبي الأكرم (ص) بقطع نخلهم، فقالوا: نحن نخرج عن بلادكم، فأجلاهم عن المدينة، وولى إخراجهم محمد بن مسلمة، وحملوا النساء والصبيان، وتحملوا على ستمائة بعير، فقال لهم رسول الله (ص): اخرجوا ولكم دماؤكم، وما حملت الإبل إلا الحلقة، فقبض رسول الله (ص) الأموال والحلقة، فوجد من الحلقة خمسين درعا وخمسين بيضة وثلاثمائة وأربعين سيفا.

وبعد انتهاء الغزوة كان حكم أموال بني النضير لرسول الله (ص) وحده يضعها حيث شاء، وقد روى المؤرخون أنه (ص) قسمها على المهاجرين دون الأنصار إلا سهل بن حنيف وأبا دجانة فقد أعطاهما لفقرهما، ولم يُسلِم من بني النضير إلا يامين بن عمير بن كعب، وهو ابن عم عمرو بن جحاش، وأبو سعيد بن وهب، وأحرزا أموالهما.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.