محنة الأيديولوجيا في الثقافة العراقية

 

رياض العلي …

تبدو محنة الأيوديولوجيا أكثر المحن التي ابتلي بها المثقف العراقي منذ أن بدأت الثقافة العراقية تتجه نحو التحديث في بداية الثلث الثاني من القرن الماضي.وإذا كان المثقف العراقي قد بدأ في إنتاج ثقافته من خلال نسق غربي إلا أنَّ هذا النسق سرعان ما تحول إلى آيديولوجيا خانقة تشي بالكثير من القسوة المتبادلة واقصاء الآخر.
والمثقف العراقي يلجأ إلى الآيديولوجيا كما يفعل الإنسان العادي الذي يلجأ الى العشيرة طلباً للحماية وكذلك للتنكيل بالخصوم والأعداء بل وحتى المنافسين.
وتكون الحماية أكثر قوة وتأثيراً إذا كانت هذه الايديولوجيا حاكمة او متوافقة مع السلطة كما حدث في بداية ستينات القرن الماضي حينما كانت الماركسية هي المسيطرة على الشارع العراقي وكذلك في مرحلة ما بعد انقلاب البعث الثاني ثم الانقلاب الصدامي الذي جعل البعث ايديولوجيا واحدة مقدسة لا يمكن المساس بها.
ولما كانت الثقافة العراقية منذ الأربعينيات تتجه نحو الماركسية كنمط يحتوي الكتاب والأدباء لذا فأن هذه الثقافة عانت من خلل كبير في الثمانينيات لعدة اسباب منها أن أغلب الماركسيين غادروا العراق ومن بقي منهم في الداخل انتمى طوعاً وقسراً الى قافلة القطيع البعثي أو صمت خوفاً أو كنوع من الاحتجاج وكذلك فأن حرب الثمانينيات جعلت من الثقافة العراقية تسير في اتجاه واحد لا ثاني له وهو التطبيل والتمجيد للحرب ولا شئ غير الحرب فكان على العراقيين ان ينتظروا زلزال 1991 كي يعيدوا انتاج ثقافة جديدة تضطر السلطة الى التعامل والمهادنة معها بل إنها تسمح بخروج من يريد على الرغم من معرفتها أن من سيخرج ربما لن يعود مرة أخرى أو أنه سينتقل الى خانة المعارضة الصريحة إن وجد من يحتويه.
لذلك أقول إن جيل التسعينيات هو أهم من جيل الستينيات لأن الأول خرج من شرنقة الايديولوجيا وأسس لاتجاه جديد في الأنساق الثقافية العراقية وجدناه يتشكل بشكل واضح في ليالي الساحة الهاشمية في عمان قبل أن يتشظى في أصقاع العالم .
وهنا لابدَّ من ملاحظة مهمة وهي أن السلطة في الثمانينيات وبعد أن أقصت الكثير من الأدباء من المشهد الثقافي أخذت تعتمد على الأدباء العرب من خلال المهرجانات والتجمعات الثقافية حتى شعر أدباء الداخل بشيء من التهميش النسبي بقدر ما أخذت المؤسسات الثقافية العربية عدم التعامل مع الأدباء الذين خرجوا من العراق لذا نشأت عقدة أن المثقف العراقي غير منتشر عربياً ويشعر بالفخر والاعتزاز إن تم الاهتمام به عربياً وتعززت هذه العقدة كثيراً اثناء سنوات الحصار فلم تعد المؤسسات الثقافية العربية تعير أي اهتمام بمثقفي العراق نتيجة قرارات سياسية واضحة.
نقول إن الثقافة العراقية بقيت عرجاء لا تكاد تسير بشكل مستقيم وهنا انقسمت الى قسمين منفصلين أحدهما في الداخل وهو خاضع خائف مطبل ومنطو على نفسه لكنه معروف بينما الآخر في الخارج يعيش حرية لم يحلم بها ويستفيد من الاتجاهات الجديدة في الأدب ويكتب بأسلوب لم يعرفه القارئ العراقي من قبل لكنه يكاد لا يعرفه أحد بعد قبل 2003.
فمحمد خضير مثلاً وهو من أدباء الداخل آثر التريث في النشر بعد الانقلاب الصدامي سنة 1979 ولم ينشر شيئا بعد أن أصدر مجموعتيه الأولىين طيلة 15 عاماً حتى أصدر (بصرياثا) سنة 1993 واتذكر حينها انشغال الوسط الثقافي في البصرة على الأقل بهذا الكتاب الذي جاء على خلاف ما أصدره خضير سابقاً لكنه على مايبدو استثمر ذلك السبات الطويل في قراءات عديدة أثمرت عن صدور سلسلة نقدية شكلت اضافة مهمة في الثقافة العراقية.
في الجانب الآخر نجد أن فوزي كريم وبعد أن كان مجتهداً في جعل نفسه أحد فرسان الستينيات لكنه وبعد خروجه من العراق لم يعد يتذكره أحد حتى عاد مرة أخرى إلى عشه الأول فالشعر ينبت في بيئته المحلية ليخرج الى العالم وليس العكس لكنه في مقابل ذلك عوض هذا النقص النسبي في نتاجه الشعري الذي لم يصل الى القارئ في حينه بكتابات نقدية وموسيقية أثرت المشهد الثقافي وبينت أن التثاقف أثمر عن جهد تنظيري غير مسبوق في الثقافة العراقية.
وأنا ذكرت محمد خضير وفوزي كريم كمثالين لأنهما نجا من محرقة الايديولوجية لكنهما تأثرا بنيرانها ، بينما الآخرون احترقوا في تلك المحرقة كفاضل العزاوي وسعدي يوسف وعبد الوهاب البياتي وسامي مهدي وحميد سعيد وغيرهم لكن هذا لا يعني تجاهل ما أنتجوه من أشكال شعرية مغايرة .
لكن نجاتهما لم تكن في صالح انتاجهما الأدبي فقد كان من في الداخل يكتب وينشر باستمرار لكن بناء على اشتراطات السلطة ومن خرج بالكاد استطاع أن يثبت وجوده مرة أخرى لذا نقول إن محمد خضير لو كان قد استمر بالنشر لربما شهدنا فتوحات سردية كما السابق.
وشهدت فترة الثمانينات ظهور أدباء بنوا مجدهم على كتابات تطبيلية تبريرية تمجد أفعال السلطة أو انها اتجهت نحو الغموض المبالغ فيه والذي يحتمل أكثر من تأويل ربما لا يصل معناه الواضح الى رقباء السلطة الذين لم يكونوا يفهمون شيئاً.

ويذكر أن عقد السبعينيات كان من أفقر عقود الثقافة العراقية من ناحية النوع لأنَّ الكل كان مشغولاً في تأسيس قاعدة ثقافية له وسط شئ من المهادنة بين كل الأطراف لكن تلك المهادنة كانت حذرة قبل ان ينهار كل شئ بعد سنوات قليلة.
ومما يلفت الانتباه في أسلوب كتابة ساردي العراق أن من خرج منهم أخذ يكتب بشكل يختلف عمن بقي في الداخل لأن من خرج أخذ من التجديد الروائي الغربي والاتجاهات الحديثة الكثير كنجم والي وعلي بدر ومحسن الرملي وحسن النواب وزهير كريم بينما ساردو الداخل بقوا يكتبون بنفس سبعيني لم يتطور ولم يتجدد بحيث يتعب القارئ كي يصل الى موضوع الرواية او القصة بينما أدباء الخارج يدخلون القارئ مباشرة في أجواء الرواية أو القصة من أول سطر، وهذا ليس تعميماً فثمة كتابات كانت تقترب من القراء كثيراً كأعمال عبد الستار ناصر مثلاً.
لكن ما دخل الأيديولوجيا بأسلوب الكتابة؟
على الرغم من ان محمد خضير لم ينتمِ الى ايديولوجيا معينة إلا أن أسلوبه في كتابة السرد منذ 1995 صار صعباً ويحتاج الى قارئ خاص، بينما فاضل العزاوي وهو الشيوعي العريق تحول الى الرواية منذ بداية السبعينيات وكانت سردياته التي كتبها فيما بعد تتخذ نفس أسلوب روائيي الخارج.
أعتقد أن الأمر يخص الأجواء المحيطة بالكاتب، فهو إنْ تواجد في بيئة تحقق له مساحة كبيرة من الحرية إن لم نقل مطلقة يتجه الى الوضوح والتصالح مع نفسه ويصل الى مرحلة الهدوء النفسي وهو الأمر الذي يفتقده أغلب أدباء الداخل حتى بعد تغيير النظام القمعي ، صحيح أن هامش الحرية صار أكبر من السابق إلا أن الكاتب العراقي مازال محاطاً بديكتاتوريات عديدة منها ديكتاتورية المجتمع الذي لا يسمح بكتابة تتجه نحو الاختلاف لأن هذا المجتمع لم يصل بعد الى درجة تقبل الآخر المختلف ومازال يعيش ثقافة القطيع المطيع ويمارس رقابة شديدة تكاد تكون تعسفية في أغلب الأحيان .
المثقف العراقي طفولي النزعة كما هو الحال مع شاتوف في رواية الشياطين فهو يتمسك بفكرته كما يتمسك الطفل بلعبته ويريد من الآخرين أن يحبوا تلك اللعبة ولا يسمح لهم بانتقاد اللعبة أو انتقاده فمن يعيش في بيئة ثقافية تأسست منذ عقود على الطاعة المطلقة والنسق الواحد فأنه حتى بعد أن تفككت هذه البيئة يريد تعويض ذاته التي سحقت عن طريق الحط من قيمة الآخر فمن ينصت إلى حوارات المثقفين في المقاهي أو في الجلسات الخاصة يجد أن الأديب يأخذ برمي التهم والسخرية من الأدباء الآخرين حتى لو كانوا اصدقاءه لأنه يعتقد أنه مركز ثقافي مهم والآخرون ليسوا الا كائنات يحيطون به وينهلون من فيوضاته.
والغريب أن بعض الأدباء ممن عاش في أوساط أوربية لم يبتعد عن ثقافة اقصاء الآخر والحط من قيمته والأمثلة كثيرة في هذا الصدد ويمكن للقارئ أن يقرأ شهادات كتبها الأدباء حول سيرتهم الثقافية ليعرف حجم الخراب الذي عاشته الثقافة العراقية على مر عقود كمثال على ذلك شهادات مثقفي الستينيات حيث نذكر منها ( الموجة الصاخبة ) لسامي مهدي و( الروح الحية) لفاضل العزاوي ) و ( تهافت الستينيين) لفوزي كريم و( الشاعر الغريب في المكان الغريب ) لشاكر لعيبي و ( بغداد السبعينيات ) لهاشم شفيق و( تربية) لـ عبد القادر الجنابي ) وغيرها.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.