السينما العراقية .. ماضٍ يداعب الذاكرة

 

في ذاكرة العراقيين بقايا ملامح لفنانين ظلت عالقة منذ كانت دور السينما مفعمة بالحياة ،وكان روادها يتسابقون لقطع تذاكرها لمتابعة أحدث الأفلام التي تعرض، إلّا أن هواية ارتياد السينمات بدأت تتضاءل مع بداية تسعينيات القرن الماضي خاصة من قبل العائلات للتحول تدريجيا أكثر السينمات الى عرض أفلام لا تصلح للمشاهدة بل لمجرد أفلام تجارية غير هادفة ،وبعد العام 2003 تحولت أغلب دور السينما الى مخازن للبضائع وبعضها بات مهجوراً، إضافة الى أن التطورات السريعة في العالم الرقمي وتطور تكنولوجيا الاتصالات أسهما بشكل كبير في عزوف المواطنين عن الذهاب الى دور العرض ومشاهدة الافلام السينمائية ، بعد أن أتاحت هذه الاجهزة والتطبيقات لمستخدميها فرصة مشاهدة أحدث الافلام بسهولة، وحتى هواة السينما وجدوا في صالات السينما بالمولات ضالتهم، فلماذا اندثرت السينما؟ وماذا تحتاج حتى تعود الى ما كانت عليه في السابق؟

المخرج والمؤلف عماد جمال حدد أسباب هجر المواطن للسينمات الى انحسار دور العرض وتحويلها الى مواقع تجارية كمحال أو مولات ،إضافة الى التغييرات الديموغرافية التي حدثت في المجتمع العراقي.

وقال جمال: إن “هناك أسباباً كثيرة أدت الى عزوف العائلة العراقية من ارتياد دور السينما وخاصة في ساعات الليل بسبب تخلخل الوضع الأمني في أواخر الثمانينيات وبداية التسعينيات ما أدى ذلك الى هجرة أصحاب دور العرض ومستوردي الافلام مع قدم مكائن العرض الى جانب تطور أجهزة الاتصالات بحيث أصبح بمقدور الشخص أن يشاهد أحدث الافلام بضغطة زر على الحاسوب أو جهاز الاتصال الخاص به وهو جالس في بيته مسترخياً”، لافتاً الى أن “المحال التجارية التي كانت محيطة بدور السينما والتي كانت موجودة  في شارعي الرشيد والسعدون أغلبها انقلب في عقد التسعينيات الى تغيير صفة المحال وأصبحت محال ملابس ولوازم للطباعة ومعدات حرائق وفنادق متواضعة ،وبالتالي تحول هذان الشارعان المهمان الى مناطق لاستقطاب الزبائن صباحاً وحتى الظهر ،أما في الليل فأمسا الشارعان مهجورين وموحشين ولا توجد فيهما أي حركة أو حيوية حياة ،وهو ما أثر بشكل كبير على دور السينما في هذين الشارعين ،لأن العائلة العراقية أصبحت من الصعوبة التوجه الى هذه الأماكن في الوقت الحاضر”.

غياب التطوير

وتابع أنه”في عقد التسعينيات أصبحت  العوائل العراقية لا ترتاد دور العرض السينمائية بسبب الحالة الاقتصادية في فترة الحصار بالإضافة الى أن أغلب المستوردين والموزعين غادروا العراق ، ما أدى الى عدم استيراد الافلام الحديثة وأيضا في تلك الفترة كان الحصار على المادة السينمائية مانعاً ثانياً فلا يمكن وصول الافلام الجديدة لدور السينما، والافلام القديمة بدأت تستهلك، فضلاً عن ذلك فإن أماكن العرض كانت قديمة ولم تحدث فيها أي عمليات تطوير وقطع الغيار كانت غير متوفرة”، مبيناً أن “السينما في فترة التسعينيات ومع كل الظروف شهدت أسباباً أخرى لتراجعها مثل قيام بعض أصحاب دور السينما بعرض أكثر من فيلم بتذكرة مع إضافة بعض المشاهد الحميمية الى الافلام من أجل جذب الشباب ،وهو ما أثر بشكل كبير على تراجع العروض وعزوف المتابعين”.

ولفت جمال الى أن “دور السينما الموجودة حالياً في مولات تعرض الافلام بدون رقابة حتى لو كان بعض الافلام قد تؤثر على المجتمع فالرقابة المعتمدة الآن هي ذات الرقابة المعتمدة في بعض الدول الأخرى”، مؤكداً أنه “في السابق كانت هناك رقابة على الافلام ،ويتم عرضها على لجان أمنية ونفسية وصحية وبإشراف من قبل وزارة الثقافة، وهذه اللجان هي التي تحدد ما إذا كان الفيلم صالحاً للعرض من عدمه”.

شباك التذاكر

وأوضح نقيب الفنانين جبار جودي أن “تحول دور السينما من دور العرض العامة الى المولات التجارية فيه شقان: شق إيجابي متماش مع العصر لأن أغلب دور السينما في المولات تمتلك التنوع الآن وهنالك أكثر من صالة بالإضافة الى ارتباطها بشباك التذاكر العالمي وأحياناً العراق يعرف قبل أميركا وذلك لفارق التوقيت وأن دور السينما الكبيرة لا دور لها حاليا لأنها تحتاج الى نفقات تشغيلية كبيرة والمردودات لا تغطي الكلفة ،لذلك انتقلت الحركة التجارية الى أن تكون السينمات ذات مساحات صغيرة ،وهنالك تنوع في عرض الافلام داخل هذه المولات”.

نجوم السينما

الفنان التشكيلي حسين علي جبر أشار الى أن “دور السينما أثرت وغيرت حياة المجتمعات ووفرت فرصة لتكوين الرأي العام أو التركيز على جانب معين من حياتنا “، مبيناً أن “نجوم السينما أثروا على حياة طبقة كبيرة من المجتمع من خلال تقليدهم في الملبس والتصرف وتكوين الآراء وللسينما دور في تغيير قوانين وظواهر معينة سواء كانت إيجابية أو سلبية”.

ولفت الى أن “أهمية المسرح في المدارس والبيوت الثقافية ومراكز الشباب وكما هو معروف فإن الإهمال الذي طال هذه المؤسسات وغياب المتاحف والمسارح ودور السينما جعل الحياة تتجه الى وسائل الاعلام الأخرى ولم نجن من غيابها سوى ضبابية المشهد “،مؤكداً ضرورة إعادة دور السينما في هذه التجمعات لما لها من أهمية في حياة المجتمع”.

ويرى الاعلامي علي ناصر أن “إغلاق دور السينما التي كانت منتشرة في العديد من المواقع العامة وإعادة افتتاحها في المولات فيهما نظرة تجارية حيث يتواجد المواطنون في المول من أجل التبضع وبكثافة عددية ،ومن الممكن أن يرتادوا القاعات المخصصة للسينما فيها “، داعياً الى أن “تكون هذه الافلام منتقاة من أجل توعية الجيل والنخبة الشبابية الآن”.

تطور وسائل الاتصال

ويجد المخرج وديع نادر أن سبب اندثار دور السينما يعود الى عدة أسباب أبرزها تطور وسائل الاتصال وإمكانية عرض الافلام بتقنية عالية على شاشات وسائل الاتصال الالكترونية.

وقال نادر إن “دور السينما في العراق بدأت تلفظ انفاسها الأخيرة مع بداية التسعينيات بسبب الحصار والاهمال وعدم استيراد أفلام  بعد أن كانت في فترة الثمانينيات وقبلها متميزة في العراق ،وكانت دور العرض كثيرة وتوفر للعائلة العراقية الملاذ الآمن والجميل ،وفي مطلع التسعينيات توقف الاستيراد وأضحت المباني مخازن للبضائع وعزف الجمهور عن دور السينما واتجه الى مشاهدة الافلام السينمائية عن طريق أجهزة الفديو تيب “، موضحاً أن “دور العرض أنشئت في المولات التجارية وأصبحت السينما رقمية وسينما (دجتل) وربما الصورة اختلفت والصوت اختلف وطريقة العرض اختلفت ولهذا عندما تكون مولات أو بنايات جديدة يسارع المصممون على تصميم سينما حديثة تواكب السينمات في العالم بالرغم من أننا نمتلك الكثير من المقومات في أن تكون لدينا سينما رقمية جيدة في وسط بغداد “.

وأضاف أنه” يمكن إعادة النظر في دور السينما القديمة وتجديدها لجذب المواطنين بالرغم من أن أجهزة الاتصال الحديثة اختصرت الكثير من المشاهدة والعوامل المؤثرة “.

صعوبات فنية

من جانبه قال مؤسس ومدير تجمع النادي السينمائي العراقي فيصل السعيدي، إن “السينما تحولت الى الأماكن العامة في المولات بسبب كونها أكثر أماناً وأقل كلفة”، لافتاً الى أنه “في حال فكر أحد المستثمرين بفتح سينما في المكان العام فسيحتاج الى مساحة كبيرة ويجب أن يوفر مرآبا للسيارات ويوفر حماية وكوادر كثيرة”.

وتابع أن “المعايير المعتمدة في بعض الأفلام وفي حال هنالك رقابة ستكون على الفئات العمرية حيث الأفلام العادية من سن 13 سنة فما فوق، وهنالك أفلام لأكثر من 15 عاماً ،وهنالك أفلام فوق سن الـ 18 سنة”، مشيراً الى أنه “ليس هنالك رقابة على الأفلام لأن الفيلم يتم استلامه من موزع رئيسي في الشرق الأوسط ،فإذا كان هنالك اعتراض فسيكون من قبل الموزع وصاحب دور السينما”.

من جهته قال مدير دائرة السينما والمسرح احمد موسى إن “المادة الثالثة من النظام الداخلي لدائرة السينما والمسرح رقم 6 لسنة 2000 تنص على منح اجازة فتح دور السينما والمسارح وعرض المسرحيات والافلام في المحلات العامة ومراقبتها لضمان صلاحية صالات العرض والاجهزة والآلات الفنية وايقاف العمل بالإجازة او غلق السينما والمسرح مدة معينة او نهائيا والاحالة على المحاكم المختصة وفق ضوابط يحددها مجلس الادارة لدائرة السينما والمسرح”، داعيا “المستثمرين في قطاع السينما الى استحصال الموافقات الاصولية من دائرة السينما والمسرح عند اقامة المهرجانات والفعاليات السينمائية والمسرحية”.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.